عادي

ليبيا.. الحل السياسي المفقود

23:03 مساء
قراءة 4 دقائق

د. محمد فراج أبو النور*

فجأة.. قفزت «تطورات العلاقات الليبية- التركية» إلى مقدمة عناوين الأخبار، بسبب الزيارة التي قام بها وفد تركي رفيع المستوى إلى طرابلس يوم الاثنين الماضي (3 أكتوبر)، والتي تم خلالها توقيع سلسلة من الاتفاقات ومذكرات التفاهم المهمة بين البلدين.

الوفد ترأسه وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، وضم عدداً من كبار المسؤولين في مقدمتهم وزير الدفاع خلوصي أكار، ووزير الطاقة، ووزير الصناعة والتجارة، والمتحدث الرسمي باسم الرئيس التركي.

وبالرغم من أن الزيارة لم يعلن عنها مسبقاً، فإن العدد الكبير من الاتفاقات التي تم توقيعها يشير إلى أنه قد تم الإعداد لها جيداً، وأهمها مذكرة التفاهم حول التعاون في مجال الاستثمارات النفطية والتنقيب عن النفط والغاز في البحر والبر، وتكوين شركات تركية- ليبية مشتركة للعمل في هذا المجال، مع التأكيد على أن أنشطة التنقيب عن النفط والغاز في البحر المتوسط تستند إلى اتفاقية الحدود البحرية التي تم توقيعها بين البلدين في نوفمبر عام 2019.. والتي قال جاويش أوغلو- في مؤتمر صحفي له مع وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش- إنها اتفاق بين دولتين تتمتعان بالسيادة، وليس من حق أية دولة أخرى التعقيب عليها.

كما ناقش رئيس الحكومة المنتهية ولايتها عبدالحميد الدبيبة بصفته وزير الدفاع مع وزير الدفاع التركي «أكار» التعاون العسكري بين البلدين، وعدداً من البرامج التدريبية للجيش الليبي وتوفير تجهيزات متطورة له.

وأشار «أوغلو» إلى اهتمام تركيا ببناء الجيش الليبي على أساس اتفاقية التعاون الدفاعي الموقعة بين البلدين منذ عام (2019) في عهد حكومة فايز السراج.

كما شملت الاتفاقات مجال التدريب الأمني وتسهيل أنشطة الاستثمار التركي في ليبيا، والتعاون في المجالين الإعلامي والبروتوكولي، والاتفاق على عودة رحلات الطيران التركي إلى المطارات الليبية وغيرها.

وأكد أوغلو أنه ناقش مع الدبيبة خطوات الحل السياسي في ليبيا، وهو ما أكدته وزير الخارجية نجلاء المنقوش في المؤتمر الصحفي المشترك قائلة: إنه تمت مناقشة أهمية التوصل إلى «قاعدة دستورية» لإجراء الانتخابات وفق «خارطة طريق» قصيرة الأمد، أو إجراء استفتاء على الدستور.

غضب في الشرق

زيارة الوفد التركي رفيع المستوى، والاتفاقات التي تم توقيعها والتصريحات التي تم الإدلاء بها، مثلت دعماً لا شك فيه لحكومة الدبيبة المنتهية ولايتها، وأثارت غضب البرلمان وحكومة «الاستقرار» برئاسة فتحي الباشاغا.

وصرح رئيس البرلمان عقيلة صالح، بأن أي اتفاقية أو معاهدة أو مذكرة تفاهم يتم إبرامها من جانب الدبيبة، رئيس الحكومة المنتهية ولايتها، مرفوضة وغير قانونية وغير ملزمة للدولة الليبية، وأصدر البرلمان بياناً أوضح فيه أن توقيع الدبيبة لأي اتفاقية مع طرف خارجي يتناقض مع البند العاشر من المادة السادسة من «خارطة الطريق» الأممية (2021) التي تولت حكومة الدبيبة السلطة بموجبها.. ولم يخفف من غضب عقيلة صالح ما كان قد أعلنه أوغلو حول زيارة مرتقبة سيقوم بها رئيس البرلمان التركي قريباً إلى بنغازي للاجتماع بصالح وغيره من المسؤولين في الشرق.. كما أصدر الباشاغا، تصريحاً بنفس معنى تصريح عقيلة صالح.

الصدمة.. أو انحياز «الراعي»!

والواقع أن زيارة الوفد التركي إلى طرابلس، وما تمخضت عنه من اتفاقات، ومثلته من دعم لحكومة الدبيبة وتأكيد على «شرعيتها».. كل ذلك قد مثل خطوة في الاتجاه المعاكس لما كان يبدو أن الأمور تسير إليه خلال الأسابيع الماضية من قيام تركيا بدور يمكن وصفه بدور «الراعي» للاتصالات بين الشرق والغرب الليبيين، وبجهد مشترك مع قطر وقيام عقيلة صالح بزيارة إلى تركيا (5 أغسطس الماضي) في أعقاب زيارة الدبيبة إليها فيما اعتبره المراقبون إنهاء لفترة طويلة من العداء بين «الشرق» وأنقرة، وأدلى صالح بتصريحات تشير إلى عزمه إعادة العلاقات بين البلدين لأفضل مما كانت عليه، وتسهيل تدفق الاستثمارات التركية إلى المنطقة الشرقية.

ثم قام صالح بزيارة إلى الدوحة يرافقه نجل المشير حفتر، بعد زيارتين للدبيبة والشمري وأعقبت ذلك زيارة للرئيس المصري إلى الدوحة، أشار الإعلام القطري إلى أنها شهدت نقاشاً موسعاً للوضع في ليبيا..وكانت الشواهد تشير إلى وجود جهود تركية- قطرية مشتركة لتقريب المواقف بين الأطراف الليبية.

غير أن الواضح أنه بينما كانت تجري كل هذه الاتصالات كان يجري في الوقت نفسه الإعداد لزيارة الوفد التركي لطرابلس، وإعداد الاتفاقيات التي تم توقيعها أثناء الزيارة، وتعزيز موقف حكومة الدبيبة في مواجهة البرلمان وحكومة الباشاغا الأمر الذي من شأنه تكريس واقع الانقسام على الأرض، وإفراغ أي محادثات حول التسوية من محتواها.

والحقيقة أن استمرار الفوضى الأمنية التي تثيرها الميليشيات التابعة لحكومة الدبيبة و«الإخوان» في طرابلس والزاوية ومصراتة وغيرها من مدن الغرب الليبي، وطرد أنصار الباشاغا من هذه المدن، يشير إلى الإصرار على تكريس وقع الانقسام وفرض الأمر الواقع بالقوة، وإفشال جهود التسوية، ومفاقمة الأزمة السياسية والأمنية.

النفط والغاز.. والموقف الغربي

ويحدث ذلك دون ممارسة أي ضغوط غربية أو تركية على الدبيبة وميليشياته والميليشيات الإخوانية والإرهابية، ما يؤدي بصورة منطقية إلى إفشال أية جهود للتسوية.. وهو ما يشير إليه أيضاً غياب المبعوث «عبدالله باتيلي» تماماً عن الصورة بالرغم من مرور نحو شهرين على تعيينه.

لكن الأمر الجلي أن أكثر ما يهم الدول الغربية الكبرى في ليبيا خاصة في ظل الأزمة مع روسيا، هو تدفق النفط من حقولها- وما يتيسر من الغاز على قلته- وهو ما تحقق برفع الحصار عن حقول النفط في أواسط يوليو/تموز الماضي، ثم تطوير الاستثمارات في المجال النفطي لزيادة الإنتاج وإعادة تأهيل حقول الغاز، والتنقيب عن المزيد منه. وهو ما كان موضوعاً للاتفاق بهذا الشأن أثناء زيارة أوغلو والوفد المرافق له، وفيما عدا ذلك يمكن قول كلمات مرسلة عن الانتخابات التي يعرف الجميع استحالة إجرائها في ظل الفوضى الأمنية التي تنشرها الميليشيات، وعن التسوية السياسية والمصالحة الوطنية، بينما تشير الأمور على الأرض إلى اتجاه معاكس تماماً لهما، فأهم شيء هو النفط والغاز.. ولا عزاء للشعب الليبي.

* كاتب مصري

https://tinyurl.com/2bhm99c9

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"