«الغرب» من منظور غربي

00:30 صباحا
قراءة 3 دقائق

يرتبط الجزء الأكبر من الوقائع والأحداث والتطورات التي يعيشها العالم على الساحتين الدولية والإقليمية، بتصورات ومفاهيم البشر حول الآخر في سياق غيرية حضارية تتجاوز الأفراد لتتصل بشكل وثيق بالوعي الجماعي الذي تبلوره الشعوب والأمم حول هذا الآخر المختلف؛ ولقد نشأت، خلال قرون عديدة من الزمن، تصورات متعددة بشأن علاقة الأنا بالآخر على المستويات الثقافية والحضارية والسياسية، ارتبطت في مجملها بثنائية الشرق والغرب التي كانت دلالتها تتسع وتضيق بحسب السياقات التاريخية ومجال الصراع ومراكز القوة عبر كل الجغرافيا السياسية للعالم. ونلاحظ أن التحدي الأكبر كان ولا يزال متعلقاً بموضوعية ومصداقية التصورات التي يحملها الأنا الحضاري عن نفسه والمنظار الذي ينظر من خلاله إلى هويته وإلى كل ما يشكل جزءاً أصيلاً من ذاتيته ووعيه الثقافي والأنثروبولوجي.
 ونعتقد أنه وفي أوج الحرب المستعرة حالياً في أوكرانيا بين الشرق والغرب، سيكون من الأهمية بمكان أن نعمل على تحقيق فهم أكثر واقعية لطبيعة التصورات التي يحملها الغرب، أو على الأقل جزء منه، عن نفسه بوصفه أكبر تكتل حضاري مازال يهيمن على مناطق واسعة من العالم، ويسعى بكل ما أوتي من طاقات وإمكانيات إلى المحافظة على مكاسبه الحضارية والجيوسياسية، وإلى التصدي بقوة واستماتة لمحاولات قوى من «الشرق» تسعى إلى تعديل موازين القوى في العالم.
 يحاول وزير الخارجية الفرنسي الأسبق أوبير فيدرين في هذا السياق، أن يزيل بعض الغموض عن مفهوم الغرب الذي ينتمي إليه بقوله: «كل شيء متعلق بوجهة النظر المرتكزة على المكان الذي نوجد فيه في المنطقة التي تغرب فيها الشمس وذلك في تعارض مع الشرق، أما من الناحية التاريخية فإن الغرب مرادف للمسيحية وتحوّل لاحقاً إلى ما نسميه الآن غرباً بعد أن تم إضفاء الطابع الدنيوي عليه في لحظة ميلاد عصر الأنوار في القرن الثامن عشر، لتتحول بذلك القيم المسيحية المرتبطة بالتعاطف والمحبة والرحمة إلى ما نصطلح عليه الآن«بحقوق الإنسان»؛ لذلك ليس من الصدفة أن تكون كلمة كاثوليكوس ذات الأصل الإغريقي مرادفة لكلمة كوني، وهي الملاحظة التي تغضب بعض التقدميين الذين يرفضون قبول بديهية الجذور المسيحية للغرب.
 ويشير فيدرين إلى أنه وفي فترة استعمار العالم كله تقريباً من طرف بعض الدول الأوروبية المتنافسة فيما بينها، لم يكن هناك حديث بشكل واضح عن الغرب، ولكن عن«الأمم المتحضِّرة»، بحسب التعبير الذي كان سائداً في تلك المرحلة. 
 والحقيقة أن مفهوم الغرب دخل إلى مجال التداول الجيوسياسي أثناء الحرب الباردة نتيجة التأثيرات المتعلقة بالتهديدات السوفييتية، ليختلط هذا المفهوم بعد ذلك مع النزعة الأطلسية المترتبة عن إنشاء حلف الشمال الأطلسي.
 كما يؤكد فيدرين بأن مفهوم الغرب هو بمثابة بناء متمخض من دون شك عن سياق تاريخي، أثّر بشكل عميق في كل النصف الثاني من القرن العشرين، وجرى رفضه من حيث عناصره المؤسِّسة من طرف العديد من المفكرين من أمثال رجيس دوبريه، ويتساءل في السياق نفسه عمّا بقي من هذا المفهوم، في عالم ترامب وأمثاله؟ وفي عالم بايدن الآن؟ ومن ثم فإن فكرة أن تكون هناك نهاية لهذا المفهوم، أمر يثير – بحسبه - ذعر مسؤولي الدول الأوروبية المحمية والمنبثقة من هذا العالم الغربي من جهة، وكل الأوساط المهتمة بقضايا الدفاع والاستراتيجية من جهة أخرى.
 ويمكننا أن نخلص في الأخير مع فيدرين في سياق نقده لقبول بعض الدول الأوروبية للتبعية لواشنطن، إلى أن الغرب تحوّل بالنسبة للبعض إلى مرادف للهواء الذي يستنشقه، وبالتالي فإن أمثال هؤلاء لا يتطلعون الآن إلى شيء آخر بعيداً عنه، لا يتطلعون إلى بناء أوروبا صديقة وحليفة للولايات المتحدة ولكن ليس تابعة لها وفق ما تطمح فرنسا إلى تحقيقه في غياب دعم واضح من الدول الأوروبية الأخرى. وهذا التخبط نفسه نجده لدى الدول الآسيوية المحمية والمراقبة من طرف واشنطن منذ سنة 1945؛ ويتحوّل هذا الغرب الحضاري مع مرور الوقت إلى تحالف ترعاه أمريكا، يضم خليطاً من آسيا وأوروبا لمواجهة روسيا والصين.

[email protected]

https://tinyurl.com/4b2h2ree

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"