الغاز والسلام في الشرق الأوسط

00:39 صباحا
قراءة 3 دقائق

كمال بالهادي

توصُّل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية، وفضّ إشكالية حقول الغاز المتنازع عليها منذ سنوات، يثبت حاجة الشرق الأوسط إلى هدنة طويلة الأمد، أو إلى مسار سلام تفرضه التحولات، خاصّة الثروة المشتركة شرقي المتوسط، ونعني بها ثروة الغاز المكتشفة حديثاً.

ولن نجانب الصواب إن قلنا إن «الغاز» يفرض سلطته على السياسة في هذا المقام، فلبنان وإسرائيل لم يضعا السلاح على الأرض في ما يتعلق بالحدود البرية، لكنهما توصلا إلى حلول ترضي الطرفين في المياه الإقليمية؛ حيث تعلو لغة الاستثمار والتعاون على لغة السلاح؛ إذ تم إطلاق يد الحكومة اللبنانية من أجل قبول اتفاق عادل، لأن لا مصلحة لأحد في المنطقة بنشوب نزاع جديد. لقد فرضت شركات التنقيب على الغاز سلطتها على الحكومات، وأجبرتها على الجلوس إلى طاولة الحوار والتفاوض، فكان هذا الاتفاق. والجميع بات يتحدث عن المستقبل. المستقبل هو لثروة الغاز، ولأنابيب نقل الغاز التي يدور حولها الصراع الدولي في أوكرانيا.

وفي شرقي المتوسط، نتوقع أن تصمت لغة السلاح إلى حين، ونرى أن دول المنطقة كافة، على الرغم مما بينها من حروب ودماء، وعلى الرغم من الاحتكاكات الإعلامية التي لا تنتهي، ستنصاع كلها إلى قوّة الغاز، وستجلس رامية وراء ظهرها سنوات الصراع من أجل فضّ قضايا الحقول المشتركة، والحدود البحرية، وستعلو لهجة التعاون على لهجة الصراع. ويخصّ هذا الأمر العلاقة بين سوريا وتركيا؛ حيث رصدنا في الآونة الأخيرة تصريحات غير معتادة للرئيس التركي عن الرئيس السوري بشار الأسد، ورغبته في لقائه متى توفرت الفرصة. وتكررت تصريحات أردوغان بأنه لا أطماع لديه في أراضي سوريا، واتهم الولايات المتحدة بأنها هي التي تغذي الإرهاب في سوريا.

ومعروف أن تركيا وسوريا تشتركان بحدود بحرية مشتركة، واكتشافات الغاز المسيلة للعاب في المنطقة، تدفع تركيا، التي تمتلك بواخر تنقيب متطورة، إلى التوجه نحو دمشق لحل الخلافات على أمل تطبيع العلاقات، وهذا أمر غير مستبعد في الفترة المقبلة، خاصة أن هناك مشاريع عدة لنقل الغاز من المنطقة إلى أوروبا تفرض هذا التقارب. وقد سعى أردوغان نفسه إلى فضّ الخلافات مع مصر، وجرى تقارب بين البلدين في أكثر من مناسبة، لكن من دون أن يحصل اللقاء بين السيسي وأردوغان، وهو لقاء لن يكون مستحيلاً، فيما لو فرضت المصالح المشتركة ذلك اللقاء.

الثابت أن «الغاز» يفرض قوانينه الصارمة على الجميع، والكل يدرك أن أي صراع، حتى إن كان محدوداً، يمكن أن يفجّر المنطقة، ويشعل البحر المتوسط. ولن يقبل أي طرف بعد سنوات عجاف من الركود الاقتصادي أن ينساق إلى حروب ونزاعات لا طائل من ورائها. وربما هذا ما أدركه الرئيس التركي، وجعله يراجع المسارات التي دعمها منذ عام 2011، ليعود، ولو مصلحياً، إلى سياسة صفر مشاكل مع الجيران، وهي السياسة التي اعتمدتها تركيا قبل ما يُسمى بـ«الربيع العربي».

إن منطقة الشرق الأوسط تحتاج إلى سلام دائم، ولئن تأخر هذا السلام وامتد زمن الحروب والصراعات، إلا أن التغيرات التي تهز العالم قد تدفع صنّاع القرار إلى التوصل إلى أرضية مشتركة، كما حدث بين لبنان وإسرائيل، بوساطة أمريكية. اللاعبون الدوليون، خاصة في أوروبا، يتحمسون لفترة هدنة طويلة، أو سلام دائم، إن أمكن من أجل ضمان تدفق الغاز بكميات تلبي حاجيات الاتحاد الأوروبي. فالبحث عن مصادر دائمة للغاز تعوّض الغاز الروسي وتفك الارتباط بين موسكو وبروكسل، يدفع الأوروبيين إلى إيلاء أهمية قصوى للسلام في الشرق الأوسط.

إنها قوانين ثورة الغاز التي تجمع الفرقاء، وتدفعهم إلى التنازل وترك مساحات للحوار والمفاوضات. وهذه الثروة التي هي الآن عنصر نقمة بين روسيا وأوروبا، قد تتحول إلى مصدر نعمة لدول شرق وجنوب حوض المتوسط الذي كان على مر التاريخ قلب العالم النابض تجارياً، والذي لم تستطع حروبه الطويلة أن تقطع صلات التواصل بين شعوبه.

[email protected]

 

https://tinyurl.com/2ubvzw72

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"