القوى الصاعدة عند مفترق طرق

01:08 صباحا
قراءة 3 دقائق

الحسين الزاوي

تواجه القوى الصاعدة تحديات كبرى نتيجة للتحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم والتي باتت تؤثر بشكل لافت في منظومة العلاقات الدولية؛ إذ إنه وعلى الرغم من حرص الدول الغربية على ألا تكون مواجهتها لروسيا وللصين سبباً في انقسام العالم إلى كتلتين متعارضتين بشكل كامل، وسعيها إلى عزل روسيا والصين عن محيطهما الإقليمي والدولي، من أجل المحافظة على هيمنتها على العالم، فإن إصرار الولايات المتحدة الأمريكية التي تتزعم الغرب، على إنجاز فرز دقيق بين من يقف إلى جانب الغرب، وبين من يعارضه أو يلتزم الحياد، يجعل القوى الصاعدة مجبرة على الوقوف عند مفترق طرق لحسم خياراتها الجيوسياسية والجيوإقتصادية، بالنسبة للسنوات والعقود المقبلة، خاصة أن العديد من هذه القوى مثل الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، اختارت الحياد الإيجابي الذي يخدم مصالحها ولا تريد أن تبقى تابعة للغرب.

ويمكن القول إن مفهوم القوى الصاعدة يعتبر حديث النشأة بحسب المعجم الجيوسياسي لأوبير فيدرين، حيث إن الأمور كانت بسيطة في زمن الحرب الباردة؛ إذ كنا نجد الغرب في مواجهة الشرق وبقية دول العالم التي كنا نسميها العالم الثالث، وكانت الأدبيات السياسية المعادية للهيمنة الغربية تفضل تسميتها بالدول السائرة في طريق النمو، حتى وإن كان الكثير منها يتجه نحو الفشل وليس إلى النمو.

وابتُكر مفهوم القوى الصاعدة من طرف عالم الاجتماع ألفرد سوفيي، للإشارة إلى الدول التي تشهد معدلات نمو مرتفعة، ولا تنتمي لا إلى الغرب ولا إلى الشرق، وهي دول كان بعضها ضمن مجموعة دول عدم الانحياز؛ لذلك فإنه إذا استثنينا كوريا الجنوبية التي انخرطت بشكل كامل ضمن التحالف الغربي، فإن أغلبية القوى الصاعدة تحرص على تأكيد حيادها بشأن الحرب التي يشنّها الغرب على خصومه.

وعلاوة على ذلك، فقد قام الاقتصادي الأمريكي جيم أونويل في ثمانينات القرن الماضي، بوضع مجموعة من الدول الصاعدة التي كان بعضها ينتمي إلى العالم الثالث، وكان بعضها الآخر جزءاً من المعسكر الشرقي، وكانت تتميز بمعدلات نمو مرتفعة، وتمتلك طبقة متوسطة نشطة وخالقة للثروة، ضمن مجموعة مستقلة أطلق عليها اسم «البريك» قبل أن تسمى «بريكس»، بعد انضمام جنوب إفريقيا إليها.

ويجب الاعتراف هنا مع أوبير فيدرين بأن روسيا ليست صاعدة وإنما تمثل نموذجاً لدولة تحاول إعادة الصعود مرة أخرى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

ويعتقد الكثيرون أن عدم انسجام القوى الصاعدة يجعلها هشة ومنقسمة في مواجهة الغرب؛ لذلك فإن هذا الغرب يعتقد أن القوة الصاعدة الوحيدة القادرة على إبعاده عن قيادة العالم هي الصين، وهي التي تحاول أن تقاوم محاولات الغرب لعزلها، وتعمل على حماية نفسها بإنشاء تكتلات اقتصادية من شأنها المساعدة على التصدي للهيمنة الغربية، على غرار منظمة شنغهاي، وخاصة أنها تعلم جيداً أن الولايات المتحدة تركز بشكل كبير على شرق آسيا، التي تمثل أكثر من 40% من التجارة العالمية.

وعليه، فإنه من أجل كبح جماح هذا الصعود المتواصل للصين على المستوى الاقتصادي وتقليل آثاره الجيوسياسية، يحاول الغرب بكثير من الخبث السياسي أن يؤجّج الخلافات بين الصين ومنافسيها في آسيا، لاسيما الهند واليابان.

وإذا كانت خطط واشنطن بشأن هذا الموضوع لا تحتاج إلى جهد كبير، بالنظر إلى الهوة الكبيرة التي تفصل بين اليابان والصين، فإن الخلافات بين بكين ونيودلهي تبدو قابلة للحل في المرحلة الراهنة، بسبب تقاطع المصالح بين الصين والهند وروسيا بشأن خلق الشروط الموضوعية المساعدة على قيام عالم جديد متعدد الأقطاب، ومتحرر من جبروت الغرب وسطوته.

ويمكن القول إن كل هذه التحولات الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة، تجعل القوى الصاعدة ومعها الدول العربية ذات الاقتصاديات الكبرى وفي مقدمتها المملكة السعودية ودولة الإمارات، تقف عند مفترق طرق ومنعطف حاسم من أجل بناء عالم جديد، تحرص فيه هذه القوى والدول على مصالحها، ومن ثَم تستثمر كل عناصر قوتها من أجل بناء منظومة علاقات دولية قائمة على الندية والاحترام المتبادل، بحيث لا يكون التحالف بين الدول مرادفاً للتبعية، ولا يكون الاختلاف في المقاربات عنواناً للقطيعة والمواجهات، كما تسعى واشنطن إلى الترويج لذلك.

[email protected]

https://tinyurl.com/4stcadjr

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"