عراق «بلا أجنحة»

00:22 صباحا
قراءة دقيقتين

علي قباجه

اجتاز العراق مرحلة التأزم الحكومي التي عاشها على مدار أكثر من سنة، بعد نجاح الفرقاء السياسيين والكتل الحزبية في اختيار رئيس للدولة، والمصادقة على حكومة تدير البلاد المتعثرة في ملفات كثيرة، لكن ذلك ليس نهاية المطاف، إذ إن الحكومة الوليدة برئاسة محمد شياع السوداني، محددة بسقف زمني قريب من السنة، قبل اللجوء إلى انتخابات مبكرة قبل نهاية 2023، لذا فإن البرنامج الطموح الذي وضعه السوداني لانتشال البلاد من كبوتها، لا يجد الوقت الكافي لتطبيقه واقعاً على الأرض، في ظل تحديات جمّة، منها: تسلّمه السلطة على بحر من الفساد الذي أسسه متنفذون في أروقة الحكم وميليشيات، إضافة إلى الصراعات، الإقليمية والدولية، التي اتخذت من العراق ساحة خلفية لتصفية الحسابات.

شياع تسلم إدارة البلاد من سلفه مصطفى الكاظمي، الذي وضع خلال فترة ولايته مجموعة من السياسات التي اعتزم تنفيذها، منها إنهاء التدخلات الخارجية، وضرب الفساد، والحفاظ على الحقوق العراقية من الأطماع الخارجية، ومحاسبة كل من سفك دماء الناس، لكنه واجه مقاومة شرسة من لوبيات تقودها أطراف خارجية لإفشاله، ليتعثر في مواطن كثيرة، وينجح في أخرى، لكن لم ترقَ خطواته إلى مستوى يرضي العراقيين، في ظل تأزم عميق على المستويات كافة، وكان آخرها، صراع الفرقاء الذي أجل الاتفاق على رئيس وحكومة لفترة طويلة، حدث خلالها ما لا تحمد عقباه، بعدما وقع عشرات القتلى والجرحى في تظاهرات خرج بها اتباع الصدر لتحريك المياه الراكدة، لتنتهي ولايته كما بدأت. فعندما تسلم السلطة جاء لينهي حالة نزف الدم من التظاهرات المطالبة بالتغيير، وعندما قارب على تسليم سدة الحكم سُفك الدم من جديد، لتعود بلاد الرافدين إلى المربع الأول.

رئيس الحكومة الحالي يسير أيضاً على خطى الكاظمي، لكن ببرنامج أوسع، هدفه إصلاح القطاعات الاقتصادية والمالية والخدماتية ومعالجة الفقر والبطالة، والتصدي للفساد الإداري والمالي، ووقف هدر المال العام، ومكافحة التضخم وخفض الأسعار، والعمل على إرساء الأمن والاستقرار، وتنفيذ القانون وتعزيز هيبة الدولة، وتلبية مطالب المحتجين، واستصدار تشريعات جديدة لقانون انتخابات مجلس النواب، كما أنه بصدد مراجعة قرارات حكومة سلفه التي اعتبرت «عشوائية»، وبالفعل فإنه قرر إعفاء عدد من المسؤولين في أجهزة حكومية عُيّنوا في عهد الكاظمي.

ورغم السعي إلى جعل العراق أفضل، إلا أن ثمة معضلة أعمق، تتعلق بنظام المحاصصة الذي نشأ في 2003، ولا يزال يدخل البلاد في نفق مظلم، حيث تسبب في تشظي المكونات العراقية، لمصالح حزبية ضيقة، لذا فإن من مهمة أي رئيس وزراء العمل على معالجة جذور المشكلة قبل التصدي لآثارها.

فلا بد من تغيير هذا النظام أولاً، ثم قطع الأيادي الخارجية العابثة، وكل من يدعمها داخلياً، ومحاسبة صارمة لكل من نهب ثروات الدولة وجعل الشعب يتسول حقوقه، ومن دون ذلك، فإن أي برنامج لن يكتب له النجاح، وستكون الحكومات، بلا أجنحة، تحاول الطيران لكن بلا فائدة.

[email protected]

 

 

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"