العرب وحرب أوكرانيا

00:28 صباحا
قراءة 3 دقائق

كمال بالهادي

لا يختلف المراقبون للحرب الأوكرانية في وصفها بأنها معركة من أجل «سيادة العالم». فالفائز في هذه الحرب هو الذي سيسود العالم لحقبة زمنية طويلة. وعلى هذا الأساس فإن حرب أوكرانيا ليست فقط حرباً على الموارد الطاقية؛ بل هي حرب زعامة العالم التي ستغيّر وجهه، فهل سيستغل العرب الفرصة؟

هناك من يسمّي هذه الحرب ب«حرب الدجاج»، كناية عن صراع الديكة الذي يرفض فيه كل طرف التنازل والتراجع، حتى ينتهي إما بموت أحد الطرفين أو موتهما معاً. وهناك من يعتبر هذه الحرب استكمالاً لما نظّر له صمويل هنتنغتون «بنهاية التاريخ وصدام الحضارات» والذي شهدنا فصله الأول الذي اعتبر فيه الغرب أن الإسلام هو العدو الأول للحضارة الغربية، وعايشنا ما عايشنا من حروب وأزمات في المنطقة العربية والإسلامية، عبر تقنية عسكرية مبتكرة تتمثل في «التدمير الذاتي» بدل دخول الغرب في حروب مباشرة لا تعرف نتائجها. والفصل الثاني هو الصراع بين الغرب والأمّة السلافية التي تقودها روسيا.

في خطاب ألقاه في موسكو أمام منتدى فالداي السنوي، قال الرئيس فلاديمير بوتين إن «روسيا لا تتحدى الغرب، روسيا تدافع فقط عن حقها في الوجود»، متهماً الأمريكيين والغربيين بأنهم يريدون «تدمير (روسيا) ومحوها من الخريطة». واتهم الرئيس الروسي الغرب بالمراهنة على السيطرة على العالم، واصفاً الأمر بأنه خطِر ولا يأخذ بالاعتبار مصالح باقي الدول، مضيفاً أن روسيا لا ترى نفسها عدوة للغرب، وأنه «ليس للولايات المتحدة ما تقدمه للعالم سوى الهيمنة». ومثلها أكدت الصين أنها ستدافع عن سيادتها بأي ثمن، وتدعو إلى بناء هيكل أمني عالمي متوازن وحماية السلام العالمي.

مثل هذه الآراء تؤكد أن الغرب يريد من هذه الحرب أن يبسط سيادته المطلقة على العالم وأن يقلّم أظافر كل من روسيا والصين، بنزاعات محدودة، لكنها استنزافية، ولهذا لا تتردد أمريكا في إشعال بؤرة صراع جديدة سواء في الكوريتين أو في تايوان على شاكلة ما يحدث في أوكرانيا. وبوتين يؤكد هذا الرأي حينما قال في خطاب له مؤخراً «إن العالم يدخل عقداً هو الأكثر خطورة منذ الحرب العالمية الثانية، وأنه يجب التفكير في «تغيير هيكل مجلس الأمن الدولي حتى يعكس التنوع في العالم»، موضحاً أن العالم يشهد تآكلاً في مبدأ الأمن الجماعي، و«استبدال القانون الدولي بقواعد بديلة».

الفيلسوف الروسي وعقل بوتين الاستراتيجي ألكسندر دوغين الذي فقد ابنته في حادث تفجير منذ أشهر قال أمام أعضاء مجلس الدوما «اشتبك الملائكة والشياطين في ساحة المعركة بأوكرانيا، نحن روسيا المقدسة! تقاومنا قوة الشر التاريخي المطلق، كل هذا يحدث أمام أعيننا، ربما نشارك في المعركة الأخيرة، بدون الروحانية والذكاء، لا يمكننا الفوز». هنا تتخذ الحرب أبعاداً أكثر تعقيداً فهي صدام حضارات وليست حرب موارد فقط. وعندما تتحول الحرب إلى صدام حضارات، فإن الصراع يتحول إلى محاولة استئصال أحد طرفي الصراع، ولذلك يمكن أن يمتد الصراع طويلاً و أن يجرّ وراءه حضارات أخرى ربما ظلت إلى حد الآن على هامش هذا الصراع.

ما دام الصراع يأخذ هذه الأبعاد، فهل يمكن القول إن الحضارة العربية والإسلامية هي في صلب هذه الحرب الدائرة الآن؟ و هل يستغل العرب والمسلمون عموماً الفرصة للتحرر من قيد «الشرطي الأوحد» الذي أهانهم وأذلهم ونهب ثرواتهم على مدى عقود طويلة و نكّل بالشعوب وبقياداتها؟

للعرب كل الإمكانات والموارد ليصحبوا أمة فاعلة في المستقبل لو أحسنوا إدارة الأزمة واتخذوا المواقف في اللحظة الحاسمة. التحرش الغربي بعدد من الدول العربية على خلفية الموقف من الحرب الأوكرانية هو الفرصة التي لن تتكرر مرة ثانية، لاتخاذ مواقف تعيد للعرب شيئاً من كرامتهم.

صحيح أن الوضع الحالي وبعد تدمير العراق وسوريا واليمن وليبيا يجعل العرب في أسوأ المراحل التاريخية، لكنّ العالم يتغير بسرعة وموازين القوى تميل هذه المرة شرقاً، والغرب يفقد رمزيته وسطوته نتيجة استعلائه و جبروته الذي لم يتخلّ عنه على الرغم من كل الشعارات البراقة، وما حديث جوزيف بوريل عن أن الغرب حديقة تحيط بها غابة وحوش، إلا دلالة واضحة على منطق الاستعلاء والجبروت، وكل هذه التحولات تصبّ في صالح العرب الذين عليهم أن يفهموا أن الانبطاح للغرب ليس قدراً محتوماً.

[email protected]

https://tinyurl.com/4pxbpwav

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"