طموحات اليسار اللاتيني في البرازيل

01:02 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. محمد السعيد إدريس

في أول خطاب له أمام مقر حزب العمال البرازيلي الذي يتزعمه بعد انتخابه رئيساً من جديد قال لويس إيناسيو لولا داسيلفا: «حين تم اعتقالي قبل ثلاث سنوات كنت على ثقة تامة أن اليوم الذي سأثبت فيه براءتي آتٍ لا محالة». وقال: «لكن ليس لديّ أية رغبة في الانتقام لأني أرى أن عذاب الشعب البرازيلي أكبر بكثير من عذابي الشخصي».

إعطاء لولا الأولوية ل «عذابات الشعب البرازيلي» على عذاباته الشخصية وقت أن كان في ذروة محنته تعطي ضمانات مهمة وطمأنات على أنه سيكون قادراً على إعادة توحيد الشعب البرازيلي حول «برنامج وطني للإنقاذ»، فهو المدرك لعمق التحديات البالغة التي ستواجهه، حيث إن ما يقرب من نصف الشعب البرازيلي لم يصوت له (فاز بأغلبية محدودة: 50.9% من مجموع الأصوات)، لذلك كان حريصاً على تقديم خطاب تصالحي، حيث اختار كلماته بعناية في أول خطاب له عقب فوزه، أعطى الأولوية لتقديم امتنانه للشعب والدعوة للتقدم الاقتصادي والمصالحة الوطنية، وقال أمام حشد من أنصاره «لا أحد يريد الحياة في دولة تعيش دائماً في حالة حرب».

لذلك ينحاز حلفاء لولا داسيلفا داخل البرازيل وخارجها إلى خيار نجاحه في مهمته رغم عمق التحديات، وأولها أنه سيحكم البرازيل في مواجهة برلمان يسيطر عليه اليمين المتطرف وخاصة أنصار الرئيس الخاسر جايير بولسونارو في «الحزب الليبرالي»، كما أنه مدعوم من ائتلاف غير متجانس يتكون من عشرة أحزاب. وهو ائتلاف قابل للانفراط في أية لحظة. ثانية هذه التحديات التي لا تقل خطورة هو الانقسام الاجتماعي الحاد. فالطبقة الوسطى، وخاصة في مناطق جنوب وجنوب شرقي البلاد لديها رفض لليسار بشكل عام، وللولا داسيلفا بشكل خاص بسبب الدعايات المغرضة التي استهدفته خلال الأوقات السابقة. هذه الطبقة هي التي صوتت لصالح بولسونارو وحزبه، وستكون أمام لولا داسيلفا عقبات كثيرة في جهوده لاستمالة كل هؤلاء شرط ألا يخسر الطبقات الشعبية التي لم تفقد رهانها عليه.

الرهان على لولا داسيلفا ليس رهان فقراء البرازيل وحدهم، بل هو رهان كل أمريكا اللاتينية التي تحولت معظمها إلى اليسار، وتنتظر لولا ليكمل انتصاراتها وطموحاتها الكبيرة في التأسيس لقيادة للدول النامية تواجه بها حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي المتفاقمة في النظام العالمي.

هذا الطموح اللاتيني سيكون السند الأكبر لدعم لولا داسيلفا لكسب معركة استعادة الثقة داخل البرازيل، حيث سيجد الشعب البرازيلي في زعيمه انسجاماً مع المحيط اللاتيني ومشروعه السياسي الأقرب إلى المشروع الذي ينادى به لولا داخل البرازيل. فأمريكا اللاتينية والوسطى تعيش الآن موجة يسارية جديدة بدأت أولاً بانتخاب المكسيكي مانويل لوبيز أوبرادور كأول رئيس اشتراكي مكسيكي في التاريخ وبأغلبية ساحقة خلفاً للرئيس اليميني انريكي بينيانيتو. وفي عام 2019 انتصر اليساريون في الأرجنتين، حيث فاز مرشح «اليسار البيروني» ألبرتو فرنانديز على خصمه الليبرالي في الجولة الأولى. وامتدت الموجة اليسارية إلى بوليفيا عام 2020 ثم إلى بيرو وهندوراس عام 2021.

وجاءت المفاجأة الكبرى من تشيلي عام 2022، حيث اختار الشعب مرشح أقصى اليسار غابريال يوريك، الشاب البالغ من العمر 35 عاماً فقط رئيساً للبلاد بأغلبية ساحقة جاءت مفعمة برياح التغيير والطموح اللاتيني في موجة يسارية جديدة يساندها صمود الرئيس نيكولاس مادورو خليفة الزعيم هوغو شافيز في فنزويلا أمام أقسى المؤامرات والتحديات الأمريكية السافرة إلى جانب رسوخ اليسار في كل من كوبا ونيكاراغوا.

هذه الموجة اليسارية اللاتينية بقدر ما توفر للرئيس لولا حاضنة مطمئنة في الحكم داخل البرازيل بقدر ما تكشف عن طموح لدور برازيلي قيادي لهذه الموجة اليسارية التي تأتي في ظروف أمريكية غير مواتية، حيث تواجه الولايات المتحدة تحديات عنيفة من روسيا والصين لإزاحتها عن عرش الزعامة العالمية، وتواجه في ذات الوقت تململاً عند الحلفاء الأوروبيين بسبب فداحة خسائرهم من الحرب الدائرة في أوكرانيا.

هذه التحديات سوف تتفاقم إذا ما استطاع لولا أن ينهض سريعاً بمهام استعادة التوازن والثقة داخل البرازيل ليقود أمريكا اللاتينية في سعيها للتحرر من الهيمنة الأمريكية وتزعُّم تيار جديد في العالم الثالث هدفه أن تكون له كلمته في التأسيس لنظام عالمي جديد أكثر عدالة وإنصافاً.

[email protected]

 

https://tinyurl.com/33xxk6wx

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"