المرأة.. وقيادة التغيير

00:27 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. نسيم الخوري

تتقدّم الصفات القيادية للمرأة الناجحة في هذا العصر بشكلٍ لافت يستحق جذب الكتابة إليه والتوقف عنده.لا أتكلّم عن الغرب ولا عن المرأة المفتونة بالغرب أو بالشرق بما يوقعنا شكليّاً بالموضة أو المعاصرة المحكومة بسرعة الذوبان لدى الاختلاط. أكتب في يقظة المرأة بأنوثتها وبعلومها ومقدراتها القيادية المتقدّمة في الحيّز العالمي والعربي والخليجي المتوسّع الذي يذكّرنا بكتاب لنوال السعداوي عنوانه:«الأنثى هي الأصل». هي لم تعُد «الأصل» المستمد حريته وقوته ونهضته الخاصة فقط بصفته الكائن الحاضن للحياة والتكاثر والتربية فقط وهو جوهري بالطبع، بل بمعناه الحامل لما يتجاوز بذور التغيير البيولوجي إلى تحقيق التغييرات والتأثيرات الفعّالة التربوية والاجتماعية والوطنية والسياسية القيادية في ما يجعل الذكورة والأنوثة على أنساق واحدة متقاربة تؤسس بل تبذر قيم التغيير في المجتمعات. لنعترف بالعربية، أن هذا الأصل هو ينبوع أو كيان يحتضن المتغيرات البيولوجية الغنية بأبعادها النفسية والاجتماعية والقيادية واتّخاذ حتّى القرارات الصعبة.

يمكنني الإشادة بتقدّم المرأة الصارخة للمتظاهرين وقيادتهم في ما سُمّي ب«الثورة» في لبنان 17 نوفمبر2019. كان المشهد طافحاً بالآمال وبالتحديات التي تخطّت الأحزاب التقليدية وأحرجتها. لم يُكتب عنه علمياً في المجال، باستثناء طالبة دكتوراه تنكّبت للأمر. إنّ مواصفات القوّة لدى المرأة اللبنانية علينا نقاشات أكاديمية جيدة في الجامعات اللبنانية والمنتديات والمقاهي حول مفاهيم التغيير وأساليبه الثورية ومظاهرهما ونتائجها في تحولات المجتمعات والأنظمة بين الأنوثة والذكورة.

لنقل إن الأنوثة خرجت من بين الحواجز والأقواس ويتظهّر التفريق القيادي بين الأنوثة والذكورة بفتح النوافذ أمام النساء في لبنان والسعودية تحديداً وبلدان الخليج وعبر عواصف «الربيع العربي». ستبقى الذكورة بسلطاتها التقليدية المتوارثة ثابتة وضرورية عبر قوة الجسد، لا نبرة الكلام أو الأمر والعنف كأساليب تضمحل للتعبير عن قوة الشخصية وقدرتها على الإقناع والإنتاج والتغيير.

صحيح أنّ الثورة مؤنّثة لغويّاً، لكنها أُجهضت وألصق بها اسم آخر هو الحراك في لبنان، والحراك صيغة تخفي استرجاعاً غير مباشر لمواقع الذكورية التقليدية وبشكلٍ لا واعٍ عادوا منخرطين في التظاهرات شاغلين الصفوف الأولى ربّما حماية للأنوثة من التعنيف الذكوري المحض المُقابل الذي قمع وأدمى وهدّد بتجدد الحروب.

الصوت ملكة ذكوريّة، لأن الأنثى لم تخضع تاريخياً للتدريب البلاغي القائم على الشفاهية الذي كان الأولاد يتلقونه في المدارس، ومع أن أسلوب الأنثى أقلّ شفاهيّةً من الناحية الشكلية من الذكور، فإن نتائج لا بدّ أن تترتب على هذه الظاهرة تثير أفكاراً ودراسات جديدة كبيرة الأهمية. المرأة مستمعة جيّدة وأكثر تعاوناً وانفتاحاً على الجديد من الأفكار. هي طبيعتها بجسدها الذي يحتمل آلام المخاض، تبدو شقيقة الديمقراطية والتعاون وتحفيز المشاركة باحترام لا مناص منه لوجهات النظر المغايرة والميل إلى التوفيق.

لو دارت الخلافات بين الأشقاء في عائلة واحدة، فويل لهذه العائلة إن لم يكن هناك شقيقة تُعيد إصلاح ذات البين بينهم وهي غالباً ما تنجح في التوفيق والوصل دون فرض الآراء باعتبارها أكثر تعاطفاً مع الرجل وتؤمن بالمساواة في القرن الراهن كهدفٍ أسمى لإشاعة التغيير والخروج من دوائر القمع المستهلكة في المجتمعات الجامدة.

قالت طالبة دكتوراه جامعية: لا تميل المرأة غالباً إلى استخدام القوة والافتخار في تحقيق الإنجازات المتعددة التي تملأ شاشات العالم، هي بحر ظاهر من التعاطف الهادئ مع الأطفال والفقراء والأعراق والرعاية والصحة والتعليم بملامح حافلة بالرعاية والتفهم للآخرين.

وقالت طالبة عالية الصوت مشاكسة في قاعة محاضراتنا الجامعية إنّ كلمتين حادتين «أنصتي واخفضي صوتك» لم تغادرا أذنيها مذ كانت طفلة في السرير، ومهما حاولت إخفاء صوتي، فإنّه لن يكفّ إلى الدرجة التي لا يكون تعبيراً جسدياً يُظهر قدرات عصرية تتجلّى في النبرة الجريئة والحازمة والعميقة إلى جانب الرجال المتكلمين الذين يتشبثون بالسلطات الطبيعية والمكتسبة التي لطالما كانت تؤمن نجاحهم. هذا صحيح. أليس معظم السياسيّين ورجال السلطة في لبنان والوطن العربيّ وحركات الأيدي والجسد ومجموعات الخطب والأقوال الحرّة والتصريحات المختلفة هي مظاهر للثقافات الشفاهيّة المحكومة والحاكمة بما يردم التخطيط والتنفيذ؟

تبقى ملاحظة، أنّ العواصم والمدن تمنح سلطات خاصة تظهر في انخفاض الأصوات بشكلٍ عام، لكن حين تتجاور اللهجات الخاصة مع الوافدين من الأرياف أو عبر وسائل الاتصال والتواصل اليوم حيث تضمر الجغرافيا، تقوى درجات التأثر والتأثير وتختلط الأصوات والطموحات وتندمج اللهجات والقيادات من الجنسين لتبرز لهجة المدينة قوية متقدمة على باقي الشخصيات في قيادة التغيير حيث المرأة في المقدمة.

[email protected]

https://tinyurl.com/mr4acapz

عن الكاتب

دكتوراه في العلوم الإنسانية، ودكتوراه في الإعلام السياسي ( جامعة السوربون) .. أستاذ العلوم السياسية والإعلامية في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية ومدير سابق لكلية الإعلام فيها.. له 27 مؤلفاً وعشرات الدراسات والمحاضرات..

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"