عالم رهن المفاجآت

00:16 صباحا
قراءة دقيقتين

علي قباجه

رغم حالة التوتر الشديدة التي تشوب العلاقات الغربية-الروسية، إلا أن غرماء موسكو الرئيسيين، ومنذ اللحظة الأولى لوقوع مقذوف على الأراضي البولندية، الدولة العضو في حلف «الناتو»، ضبطوا أنفسهم، وكانت تصريحاتهم متزنة إلى أبعد حد، باستثناء بعض الدول في شرقي أوروبا، بينما أمريكا على وجه الخصوص، اتخذت موقفاً واضحاً، وهو التروي إلى أقصى حد، وانتظار نتائج التحقيق، وتبعتها في ذلك ألمانيا وفرنسا، الدولتان الأساسيتان في أوروبا، في حين أن أوكرانيا سارعت إلى اتهام روسيا، وحسمت منذ الدقيقة الأولى أن الصاروخ روسي، ودعت إلى اتخاذ موقف صارم، ولم تدرك أن التسرع يمكن أن يشعل صراعاً عالمياً، لا يبقي ولا يذر.

الموقف الأوكراني أثار حفيظة بعض الدول، فهو «لا ينم عن مهنية»، بل يحمل في طياته دعوة إلى خوض غمار حرب من دون تبصّر. فالحكومة المجرية، شنت هجوماً لاذعاً على زيلينسكي لأنه أعطى «مثالاً سيئاً»، عبر قوله: إن الصاروخ الذي قتل شخصين في قرية بولندية هو روسي. وجاء الانتقاد رغم تروي بولندا نفسها، وعدم اتخاذها أي موقف، ليتبين لاحقاً أن الصاروخ أوكراني حاول التصدي للضربات الروسية على معظم المدن الأوكرانية في ذلك اليوم، لكن على الرغم من ذلك، بقي الرئيس الأوكراني متمسكاً بموقفه، عندما أكد أنه لا يعرف ما حدث لكنه متيقن أن الصاروخ روسي.

روسيا تبرأت من الحادثة، ودافعت عن نفسها، والغرب صدّقها في ذلك، رغم أنه لم يكف لسانه، عبر تحميلها مسؤوليته، لأنها هي «من أشعلت الحرب»، لكن ذلك يشير إلى أن دول الغرب وروسيا رغم عدائهما المستفحل، إلا أنهم غير معنيين بتصعيد الحرب، لأنهم يدركون أنها ستكون «حرب يوم القيامة»، ولا مكان للأسلحة التقليدية فيها، خاصة في حال فعّل «الناتو» البند الخامس من معاهدة الحلف، في الدفاع عن الأراضي الأطلسية من أي اعتداء.

«الناتو» أكد خلال اجتماع طارئ أنه «لا يوجد مؤشر على هجوم متعمّد»، بينما أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن جميع الضربات التي وجهتها القوات المسلحة الروسية ضد الأراضي الأوكرانية كانت على مسافة لا تقل عن 35 كيلومتراً عن الحدود الأوكرانية- البولندية، وبذلك تم تبريد حدة التوتر. لكن هذه الحادثة تعطي انطباعاً بأن الجميع غير معني بأي تصعيد، لأن الأثمان معروفة، وبالتالي لا مناص من اللجوء إلى التبصر والتروي، فليس هناك خيار آخر.

الحادثة ربما تعيد الأطراف المتصارعة، خصوصاً الغرب، إلى مراجعة حساباتها، والاقتناع بأن الاستمرار في النفث بنار الحرب لا يخدم أي طرف، وسيصل نارها للجميع، لذا فالأولى الدفع بعجلة السلام إلى الأمام، ووقف ضخ الأسلحة لأوكرانيا، وبث التطمينات لروسيا، مقابل انسحابها من المعركة الدائرة، وإلا فإن العالم سيكون رهن حوادث مفاجئة، قد لا ينجو منها في المرات المقبلة.

[email protected]

https://tinyurl.com/5fup4vtw

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"