عادي

تركيا وخيارات ما بعد هجوم إسطنبول

23:06 مساء
قراءة 4 دقائق

كرم سعيد *

بعد الهجوم الذي شهدته مدينة إسطنبول في 13 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، والذي أسفر عن مقتل 6 مواطنين وإصابة نحو 80 آخرين، اتجهت تركيا إلى تبنى سلسلة من التدابير، وذلك بعد أن كشفت السلطات التركية النقاب عن تورط حزب العمال الكردستاني في الهجوم بعدما اعترفت منفذة التفجير بأنها تصرفت بناء على أوامر الكردستاني.

من هنا، يمكن فهم تصريحات الرئيس التركي أردوغان عندما أكد أن بلاده «ستتخذ كل ما هو ضروري» لحماية حدودها والقضاء على «التهديدات» التي يشكّلها حزب «العمال الكردستاني».

وعلى الرغم من أن التفجير لم يكن الأول من نوعه، لكنه الأكثر تأثيراً في مستقبل حزب العدالة والتنمية الحاكم، لأسباب عدة، منها أنه تزامن مع تصاعد حدة الاستقطاب السياسي في الداخل التركي على خلفية الاستعداد للانتخابات المقررة في منتصف العام المقبل، كما يتزامن مع صعود لافت للمعارضة التركية مقابل تراجع الرصيد التقليدي للحزب الحاكم على خلفية تردي الأوضاع المعيشية، وتفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد. كما أن هجوم إسطنبول، وهو العملية الإرهابية الأولى التي تحدث في تركيا منذ نحو خمس سنوات، بعد حادث الاعتداء على ملهى ليلى منذ عام 2017، تزامن مع تفاقم التوتر بين تركيا، والتيارات الكردية في الإقليم، ودخول العلاقة بين الطرفين مرحلة كسر عظم في ظل توجه تركيا إلى عسكرة الأزمة مع حزب العمال الكردستاني شمالي العراق، وقوات سوريا الديمقراطية «قسد» شمالي سوريا.

دلالات التفجير

على صعيد متصل يشير التفجير الأخير إلى عدة دلالات منها، التنظيم الجيد للهجوم؛ حيث تم التفجير باستخدام عبوة، كما أنه استهدف شارع تقسيم التاريخي الذي يعج بالآلاف من الزائرين، ما يفيد بأن ثمة تخطيطاً جيداً ومنظماً لهذه العملية لإيقاع أكبر عدد من الضحايا. كما كشف الهجوم عن أن ثمة قصوراً أمنياً تركياً، على الرغم من وجود توقعات وتحذيرات مسبقة من احتمال تعرض تركيا لهجمات عنيفة في ظل تصاعد حدة التوتر مع التيارات الكردية من جهة، ومن جهة أخرى وجود مخاوف تركية مسبقة من انتقام محتمل لتنظيم «داعش»، خاصة بعد توقيف الأمن التركي أحد أهم قياداته التنفيذيين، وهو «بشار خطاب غزال الصميدعي» الملقب ب«حجي زيد».

في إطار ما سبق، فإن من المحتمل أن يكون لهجمات إسطنبول العديد من التداعيات المختلفة، سواء على مستوى الإجراءات الأمنية المتبعة في تركيا، حيث أعلنت تركيا عن فرض مزيد من الإجراءات الأمنية في المناطق السياحية والتاريخية، والأماكن المزدحمة أو على مستوى التعامل مع التهديدات الكردية والفاعلين من غير الدول، أو على مستوى التعامل مع اللاجئين السوريين في تركيا.

لذلك يتوقع أن تتجه تركيا في إطار التعامل مع التهديدات المحتملة بعد هجوم إسطنبول، إلى عدد واسع من الخيارات، في الصدارة منها تصعيد عملياتها العسكرية ضد قاعدة حزب العمال في شمالي سوريا والعراق، حيث شن الجيش التركي عملية «المخلب - السيف» الجوية في شمالي العراق وسوريا بدايةً لحرب شاملة ضد المقاتلين الأكراد. وسبق هذه الهجمات تأكيد تركيا في 16 نوفمبر الجاري، عزمها ملاحقة أهداف ضد الجيوب الكردية شمالي سوريا والعراق.

كما يتوقع أن تذهب تركيا نحو تبني إجراءات أكثر تشدداً تجاه حزب الشعوب الديمقراطي في الداخل التركي، وذلك من خلال الاستمرار في معارضة الإفراج عن زعيمه صلاح الدين دميرطاش، إضافة إلى محاصرة الحضور السياسي للحزب عبر إقصاء ممثليه من المشهد السياسي.

خلف ما سبق، قد تتجه تركيا إلى ممارسة مزيد من الضغوط على الولايات المتحدة من أجل وقف دعم قوات سوريا الديمقراطية في الشمال السوري، وكبح تدخلاتها المناهضة للمصالح التركية في المنطقة. وكان وزير الداخلية التركي سليمان صويلو قد أكد في تصريحات له في 14 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، عن رفض بلاده تقبل تعزية السفارة الأمريكية في أنقرة.

وأضاف «نعرف من يدعم الإرهاب في شمالي سوريا»، وتابع أن «من يدعم المنظمات الإرهابية في شمالي سوريا هو من نفذ هجوم إسطنبول»، متهماً الولايات المتحدة بدعم وحدات حماية الشعب الكردية شمالي سوريا. وهنا، فإن اتجاهات عديدة ترى أن تركيا قد تسعى إلى استثمار هجوم إسطنبول للضغط على واشنطن من أجل الاستجابة لمطالبها بوقف دعم قوات سوريا الديمقراطية.

استهداف اللاجئين السوريين

بالتوازي مع ما سبق، فإن اللاجئين السوريين الذين يعيشون بأعداد كبيرة في تركيا، قد يتعرضون لمزيد من الكراهية وأعمال القمع، خاصة في ظل تجدد خطاب الكراهية ضد السوريين، واتخاذ السلطات التركية إجراءات أكثر صرامة بشأن تحركات السوريين على أراضيها بعد هجوم إسطنبول.

كما يتوقع أن يتعرض السوريون لمزيد من التهديدات ذات الصلة بتصاعد الخطاب اليمني العنصري لبعض الأحزاب التركية، وبالذات حزب «النصر» و«حزب الخير».

وإذا كان الذين قاموا بتفجير إسطنبول الأخير، محسوبين على العناصر الكردية، بحسب الاتهام التركي، فإن الهجوم الأخير قد يدفع عدداً كبيراً من الأتراك إلى خلط صورة السوريين بهذا العمل الإرهابي، خاصة أن ثمة حالة من الغضب متجذرة في الأوساط التركية منذ وقت ضد اللاجئين السوريين، وهو ما قد يؤدى بلا شك إلى مزيد من التعقيد في حياة السوريين الذين يقيمون في تركيا.

ختاماً، يمكن القول إن هجوم إسطنبول قد يفرض على أنقرة التحرك نحو تبني إجراءات مغايرة لتحصين البلاد، ومنع دخولها في دوامة العنف مجدداً، وأيضاً تأمين الحضور السياسي للحزب الحاكم خلال الفترة المقبلة، حيث تقف تركيا على أعتاب انتخابات مفصلية منتصف العام المقبل، ويخشى الرئيس التركي من استثمار المعارضة حالة الغضب التركي من هجوم إسطنبول لرفع رصيدها التقليدي في الشارع التركي، خاصة أنها تسعى منذ وقت لتوظيف أزمة اللاجئين التي تزيد من انغماس البلاد في همها الداخلي، إضافة إلى استثمار حدود نتائج التدخلات التركية في صراعات الإقليم، لإثبات فشل سياسات حزب العدالة والتنمية والرئيس أردوغان.

* كاتب مصري

https://tinyurl.com/3rn49k28

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"