الأولوية للفكرة

00:29 صباحا
قراءة دقيقتين

يحيى زكي

تتأسس الدول والأمم على أفكار بالدرجة الأولى. وكلما استطاعت الدولة أن تحافظ على الفكرة الأساسية التي قامت عليها، كلما اتسمت بالقوة والتماسك والقدرة على البقاء لفترة طويلة. يخبرنا التاريخ أيضاً بأن الإمبراطوريات الكبرى تأسست على أفكار، صحيح أن هناك اعتبارات أخرى لا بد من أن تؤخذ في الحسبان عندما نُقيم أي إمبراطورية، مثل قوتها العسكرية والاقتصادية، وعدد سكانها وموقعها الجغرافي، ولكن الفكرة هي ما يمنح الإمبراطورية الألق.

تأسست الإمبراطورية الرومانية على فكرة القانون، وبقي الحديث عن القانون الروماني الذي استوعب كل الشعوب الأخرى حتى بعد انهيار الإمبراطورية، وامتدت الحضارة العربية من الصين إلى إسبانيا بناء على قوة فكرة، وعندما تراجعت الحضارة العربية سياسياً وجغرافياً، ظلت حزمة الأفكار التي تركها العرب مؤثّرة في العديد من الشعوب، وصاحبت رسالة «الرجل الأبيض» في تمدين العالم وتنويره، الاستعمار الحديث.

وخلال الحرب الباردة، انقسم العالم إلى معسكرين تمترس كل منهما خلف فكرة. ولم يعرف التاريخ قوة كبرى لم ترفع فكرة تروّج لها أمام العالم إلا تلك القوة البربرية، التي مارست الغزو حباً في سرقة أراضي الآخرين ورغبة في الهيمنة عليهم، وفي هذه الحالة ما يلبث المحتل البربري أن يعتنق أفكار المهزوم، ويقلب القانون الخلدوني الشهير «المغلوب مولع بتقليد الغالب»، حدث هذا مع المغول الذين اجتاحوا مساحات شاسعة، ولأنهم لم يحملوا فكرة ما فقد اضطروا لأن يعتنقوا أفكار الشعوب التي قاموا بغزوها.

الآن يُروّج البعض انطلاقاً من سيادة ثقافة العولمة وتوابعها ألاّ أفكار، ويؤيدون وجهة نظرهم من خلال الحديث عن سلسلة من «المابعديات» التي تؤشر في ظاهرها إلى أن قيم الغرب تسير إلى الأفول أو الانحطاط، وهو حديث رائج بين نخب ليست غربية بالدرجة الأولى، يضعون ما بعد الحداثة كنهاية لحقبة طويلة من الحداثة والتنوير، والأمر نفسه ينطبق على ما بعد الليبرالية..

ولكن هل انتهت الأفكار بالفعل؟ ولماذا لا يزال الغرب يهيمن على العالم؟ ولماذا يُصدِّر صورته مصحوبة بقيم التنوير والديمقراطية وحقوق الإنسان.

يدرك الغرب جيداً أن نهاية الفكرة تعني نهاية الهيمنة وتصدّر العالم، ولذلك يظل الحديث عن «المابعديات» نخبوياً ويدور في مختبرات فكرية مغلقة، ويرتبط أكثر بأمنيات أطراف تبحث عن عالم متعدد الأقطاب/الأفكار.

بعد حديث «المابعديات»، جاءت حقبة التكنولوجيا الحديثة، التي كانت في الظاهر أيضاً تؤشر إلى نهاية الأفكار، فكل ما تروّج له يتسم بالخفة والسطحية، ولكن اتضح أنها إحدى أدوات العولمة، وأن الكثير من القيم الغربية باتت منتشرة، وأشد جاذبية في العالم بأكمله، بفضل الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

لن تنتهي هيمنة القطب الواحد على العالم إلا مع نشأة فكرة جديدة، تكون بديلة لحزمة الرأسمالية والليبرالية والعولمة. فحتى الآن يقاس تقدّم مختلف البلدان (حتى تلك التي تحاول الصعود كقطب عالمي جديد) من خلال تمثّلها لقيم هذه الحزمة، وقدرتها على النجاح في مختلف مؤشراتها.

https://tinyurl.com/bdeu5ewy

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"