الاستثمار في العلم

00:28 صباحا
قراءة 3 دقائق

أحمد مصطفى

تختلف قضية المليارديرة الأمريكية إليزابيث هولمز التي حكم عليها بالسجن 11 عاماً بتهم النصب والاحتيال عن قضايا انهيار شركات أخرى، مثل انهيار شركة المشفرات للملياردير الشاب صامويل (سام) بانكمان-فرايد مؤخراً. على الرغم من أن الحكم على هولمز كان في تهم الاحتيال على المستثمرين وليس على الكارثة الأساسية وهي خداع المرضى.

أسست هولمز شركة لتحليل الدم قبل عدة سنوات، للترويج للإنجاز العلمي الهائل لها وهو ابتكار آلة صغيرة جداً لتحليل قطرة دم واحدة للكشف عن أمراض كثيرة مختلفة. وجمعت وقتها مليارات الدولارات من مستثمرين في شركات التكنولوجيا الناشئة لتصل ثروتها إلى خمسة مليارات. انهارت الشركة حين اكتشف أنه لا اختراع هناك ولا شيء وأنها تستعير معدات تحليل دم تقليدية لإجراء الاختبارات. لكن الحكم تغاضى عن خداع المرضى وحكم عليها بالسجن لنصبها على مستثمرين في 120 مليون دولار.

على الرغم من أهمية الضبط القانوني للاستثمار في الحفاظ على السوق، فهذا يعني مجموعة صغيرة من البشر هم من يستثمرون ويغامرون في الشركات الناشئة سعياً وراء الربح الهائل السريع. لكن الأخطر والأوسع ضرراً هو ما يقع على الجمهور العام من نصب وخداع كما حدث من شركة «ثيورانوس» المنهارة وصاحبتها إليزابيث هولمز.

تلك الفورة من الأمل في الإنجاز العلمي التي أشاعت تفاؤلاً بين المرضى والمجتمع الطبي اتضح أنها مجرد خدعة. ولا يقدر هذا الإحباط الصحي والعلمي بثمن، لذا لم تعاقب المحكمة هولمز على تلك التهمة، ربما لأنه لم يتقدم أحد بدعاوى تتضمن أرقاماً مالية.

لكن الدلالة هنا أخطر بكثير، وهي ما يتعلق بالبحث العلمي والابتكار فيما يفيد البشر، خاصة في المجال الطبي والصحي. وإن كان الأمر ينسحب على البحث العلمي في كافة المجالات. خاصة بعدما تراجع الاهتمام الحكومي بتمويل البحث العلمي في الجامعات العامة ومراكز البحوث الرسمية منذ نهايات القرن الماضي.

فعلت الحكومات ذلك في إطار «ضبط المالية العامة» بتقليص الإنفاق على البحوث والتطوير تحت مبررات خادعة هي ترك ذلك للقطاع الخاص باعتباره متحرراً من القيود البيروقراطية للجامعات والمراكز الحكومية. وأصبحت الحكومات تقدم ما في بند البحوث والتطوير من ميزانيات دافعي الضرائب للقطاع الخاص بوهم أنه أكثر قدرة على الإبداع والكفاءة في الكلفة.

مع ذلك، تظل الإنجازات العلمية الحقيقية التي تفيد صحة البشرية هي تلك التي تأتي من الجامعات ومراكز البحث الحكومية على ضعف تمويلها وعدم الاهتمام بها من قبل الحكومات. أما الابتكارات التي ينجزها القطاع الخاص فأغراضها الأساسية تجارية بحتة وليست بالضرورة مستهدفة للمنفعة العامة إلا بقدر ما تدر من أرباح على شركات الأدوية والمستثمرين في الرعاية الصحية بهدف زيادة ثرواتهم ليس إلا.

بدا ذلك واضحاً بقوة في أزمة وباء كورونا الأخيرة، التي أثارت الهلع والذعر ولم يكن سباقاً في ابتكار أول لقاح حقيقي سوى جامعة أوكسفورد وبمنحة لا تصل إلى مئة مليون جنيه فقط من الحكومة البريطانية.

نعم، طورت شركات قطاع خاص مثل فايزر ومودرنا وجونسون لقاحات معملية (مركبات كيميائية وليست لقاحاً حيوياً)، لكنها كانت بهدف الربح بالأساس واستغلال أزمة صحية عالمية لترويج مبتكرات هندسة وراثية لم تثبت بعد جدواها بشكل علمي تماماً (أو قل بشكل بيروقراطي كما تفعل البحوث الحكومية – لكن البيروقراطية هنا هي السبيل الأفضل للصحة العامة على المدى الطويل). وليس في هذا افتراض، أو قياس لشركة منهارة بخدعة تحليل الدم على إنتاج شركات راسخة؛ بل لمن أراد أن يعود لأخبار الأدوية التي طورتها شركات مثل جونسون ومودرنا وحتى فايزر وتم سحبها بعد ذلك لأضرارها.

وما الشركات المذكورة إلا مثال فقط بسبب بروزها في فترة وباء كورونا، لكن غيرها كثير وفي مختلف مجالات البحث والتطوير.

لعل قضية المليارديرة الشابة، ودروس وباء كورونا، تكون جرس إنذار للحكومات حول العالم لتزيد مخصصات البحث والتطوير والاستثمار في العلم، وأن تعزز دور الجامعات العامة ومراكز البحث الرسمية. على الأقل لا تقدم الأموال العامة في الميزانيات للقطاع الخاص؛ بل للجامعات ومعاهد البحث العلمي. وليترك القطاع الخاص ليستثمر في بحوثه بأموال مغامريه من المستثمرين.

[email protected]

https://tinyurl.com/3z9bacju

عن الكاتب

يشتغل في الإعلام منذ ثلاثة عقود، وعمل في الصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزيون والصحافة الرقمية في عدد من المؤسسات الإعلامية منها البي بي سي وتلفزيون دبي وسكاي نيوز وصحيفة الخيلج. وساهم بانتظام بمقالات وتحليلات للعديد من المنشورات باللغتين العربية والإنجليزية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"