عادي

«الخطوة الأولى» لزامبيجي.. سعادة العائلة تمنحنا الدفء

ألوان مشرقة تعكس الفرح
19:33 مساء
قراءة 4 دقائق
اللوحة
  • فنان اشتهر برسم الطبيعة والموضوعات الكلاسيكية

الشارقة: علاء الدين محمود

ممارسات فنية بديعة قدمها الرسام والمصور الإيطالي يوجينيو إدواردو زامبيجي (1859 1944) الذي اشتهر برسم اللوحات التي تنتمي للمدرسة الواقعية. ولد في مدينة مودينا والتحق بأكاديمية الفنون الجميلة التي شيّدها الفنان المعروف أنطونيو سيمونازي، وكان ذلك في وقت مبكر من حياته، حيث لم يتجاوز عمره 17 عاماً، وتأثر بالرسام الكبير مودينيزي جيوفاني موزيولي، وبعد فوزه بجائزة بوليتي للرسم عام 1880، أتيحت له الفرصة لمواصلة دراسته أولاً في روما ولاحقاً في فلورنسا، حيث استقر بشكل دائم في عام 1884.

خلال ثمانينات القرن التاسع عشر، بدأ زامبيجي في إنتاج مجموعة من المشاهد النوعية التي حققت نجاحاً غير عادي في سوق الفن وجلبت له شهرة دولية، حيث اشتهر برسم الموضوعات الكلاسيكية ذات الطابع التاريخي والديني لليونان وروما، ونال العديد من الجوائز العالمية.

لوحة «الخطوة الأولى» تعد من أجمل لوحات زامبيجي، وتنتمي إلى مدرسته الواقعية، حيث عمل بصورة مميزة على رصد تفاصيل الواقع والحياة اليومية، كما عرف كذلك برسمه للصور الشخصية والمناظر الطبيعية الريفية، وفي هذه اللوحة إضافة إلى أخريات بالطابع ذاته، عمل الفنان بصورة رئيسية على خلق صورة مبهجة وشاعرية للحياة الريفية الإيطالية، دون أن تحمل مدلولات لنقد اجتماعي، وتتميز ببساطتها وغوصها العميق في المشاعر الإنسانية، خاصة تلك التي يتناول فيها الأسرة وحياة الأفراد تحت مظلة بيت واحد، حيث تجمع بينهم المحبة والمودة، وذلك ما فعله تماماً في لوحة «الخطوة الأولى» التي وجدت صدى كبيراً بين النقاد والمؤرخين الفنيين وجمهور الفن.

بساطة الحياة الريفية سحرت الفنان تماماً، فقد كان همه نقل تفاصيلها ووقائعها اليومية بطريقة رومانسية بحتة ومفعمة بالجمال، وكانت تلك الأعمال ومن بينها هذه اللوحة، موضع تقدير كبير من قبل السياح الأجانب لدرجة أن هذا دفعه إلى إنتاج سلسلة من نفس الصور بطريقة تبتعد عن النمطية، وذلك ما جلب له الكثير من الإشادة من قبل نقاد ذلك العصر، حيث وصفه العديد من النقاد بأنه الرسام الذي يعرف كيف يعبر عن مشاعره وما يدور في ذهنه دون اضطراب، فهو يتميز بالحس الرفيع والالتقاط العالي بأخيلة تقترب من العجائبية، وكذلك تحدثت الناقدة الفنية مارثا كاتنيو في تقريرها عن الرسام، مشيرة إلى أن هناك سحراً غير عادي في مشاهد الحياة اليومية للفلاحين، والتي قدمها زامبيجي في عدة لوحات تناولت الأمومة الريفية، والترابط العائلي بوجه عام، هذا الجو الدافئ للتجمعات الأسرية المرسوم بحيوية لونية تميزه يأخذ الأنفاس.

كان زامبيجي يعكف بنهم لساعات طوال على رسم لوحاته التي غالباً كانت تدور حول الحياة الريفية لأسر شديدة الفقر، لكنها كانت تعيش في سعادة غامرة، حيث نجد بضعة أفراد يتناولون الطعام على طاولة عادية، أو يقومون بأنشطة ترفيهية بسيطة، وربما كانوا أيضاً مزارعين يفلحون الأرض أو يحصدون الثمر بطريقة اعتيادية، فهم في النهاية أناس تحكي حياتهم الروتينية العادية عشرات القصص عن مدى جمال الحياة البسيطة. ولعل رصد تلك التفاصيل المشرقة هو الأمر الذي برع فيه الفنان طوال حياته.

وصف

في لوحة «الخطوة الأولى» نرى في مشهدها أسرة ريفية بسيطة مؤلفة من أم وجدة وأحفاد تغمرهم السعادة على الرغم من الفقر والمعاناة، حيث تظهر في اللوحة امرأة كبيرة في السن ترتدي زياً فلاحياً تقليدياً، وهي جالسة بوضعية القرفصاء باسطة ذراعيها المعرورقتين للأمام استعداداً لاستقبال حفيدها الذي يكاد يخطو خطوته الأولى بمساعدة والدته التي تمسك ذراعيه خوفاً عليه من السقوط أرضاً، بينما تظهر في الخلفية قطع أثاث عتيقة على أرضية ملأى بالشروخ في بيت قديم، ويظهر خلف الباب خارج المنزل بقية الأحفاد يلعبون في يوم مشمس، والفرح والبهجة على وجوههم على الرغم الفقر والبؤس والفاقة التي يعانونها، ويركز الفنان بصورة أساسية على لحظة قيام الطفل ليخطو أولى خطواته في الحياة، والتي تحمل العديد من الدلالات المفرحة والمبهجة، والتي تعلن عن بداية جديدة لهذا الطفل، حيث إن تلك الخطوة ستتبعها خطوات، وهي لحظة تجلب السعادة كذلك لبقية أفراد الأسرة، وبصورة خاصة تلك الجدة التي تمتلك من الخبرة الحياتية، ما يجعلها تعلم جيداً أهمية هذه اللحظة من حياة حفيدها.

برع زامبيجي بصورة مذهلة في توظيف الألوان ودرجاتها المختلفة بطريقة غير اعتيادية وشديدة الإبهار، فهو يحرص بشدة على عكس المشاعر والأحاسيس المختلفة، حيث إن الفنان يستودع في لوحاته تلك اللحظات والتفاصيل التي يلتقطها من الطبيعة والواقع. وهذا ما فعله في هذه اللوحة الجميلة التي تعد من ضمن أيقونات اللوحات الفنية في إيطاليا، حيث حرص فيها على استخدام ألوان تعكس حالة السرور الذي باغت الأسرة. فالخطوة الأولى للأطفال هي دائماً مفاجئة، فالفنان حاول أن يركز على ذلك الشعور الغريب الذي يجمع بين الدهشة والسعادة في الوقت ذاته في وجهي الأم والجدة؛ بل والطفل كذلك، والذي يبدو هو الآخر فرحاً بانتصاره الكبير، ولكونه قد كان السبب الرئيسي لشعور أسرته بالسعادة.

تفاصيل

ينقل إلينا الفنان في هذه اللوحة تفاصيل مرئية، تتمثل في الإحساس بالفرح في وجه الأم المفعمة بالحيوية فهي لم تزل في ريعان الشباب، وكذلك الجدة التي تميل شمس حياتها نحو المغيب، حيث يحتشد وجهها بالخطوط والتجاعيد، ويظهر من بين الحجاب الذي تضعه على رأسها خصلات من الشعر الأبيض، وهي التفاصيل التي تشير إلى التقدم في السن. ولعل الفنان أراد أن يضعنا أمام تلك المشهدية العجيبة التي تحمل الكثير من الدلالات والتناقضات، خاصة منظر الطفل في مواجهة الجدة، وهو المشهد الرئيسي في اللوحة الذي يركز عليه الفنان بصورة أساسية، وكأنه يتحدث فيه عن الحياة بتقلباتها، حيث يمثل الطفل بداية حياة جديدة ستشهد الكثير من الوقائع والأحداث والأحلام والطموحات، بينما ترمز الجدة إلى النقيض من ذلك، ولكن الفنان يوظف تلك الرمزية والدلالة دون قسوة، حتى لا يتسلل إحساس الاكتئاب إلى المشاهد، لذلك فهو يمرر ثقل ذلك الإحساس عبر التركيز على السعادة البالغة التي تعيشها الأسرة في تلك اللحظة، لذلك فهو يكثف من الضوء على الوجوه الثلاثة الممتلئة بالإشراق، ليظهر للمشاهد ذلك التناغم والحوارية المدهشة بين الألوان بدرجاتها المختلفة والضوء، ولذلك ابتعد عن الألوان الداكنة ومال إلى أن يكون المشهد ساطعاً وحيوياً، كما هي الحياة.

1
يوجينيو زامبيجي
https://tinyurl.com/45tvssuh

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"