الصين وروسيا.. وما بعد قمة بالي

00:26 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. محمد السعيد إدريس

فرضت الأزمة الأوكرانية نفسها بقوة، على العقل الاستراتيجي الأمريكي على نحو ما كشفته القمم الثلاث التي شارك فيها الرئيس الأمريكي جو بايدن، في الأسبوعين الماضيين: قمة رابطة جنوب شرق آسيا «أسيان» التي استضافتها العاصمة الكمبودية «بنوم بنه»، وقمة «العشرين» التي جرت أعمالها في جزيرة بالى الإندونيسية، ثم قمة «منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي» (أبيك) التي عقدت في العاصمة التايلاندية بانكوك، في وقت غاب فيه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وأناب عنه وزير الخارجية سيرغي لافروف، الذي انسحب هو الآخر من قمة بالي في يومها الثالث اعتراضاً على الجهود الأمريكية- الأوروبية المضنية التي بذلت ل«تسييس البيان الختامي للقمة»، خاصة «مشاكل الغذاء والطاقة»، وتحويلها إلى أدوات وأسلحة، على حد وصف لافروف.

الجهود الأمريكية- الأوروبية كانت حريصة على تحقيق «اختراق» في الموقف الصيني من الأزمة الأوكرانية، باعتبار أن حدوث مثل هذا الاختراق يمكن أن يؤدي إلى تفكيك «الروابط» الصينية- الروسية، وإفقاد روسيا فرصة إنجاز «تحالف روسي- صيني» في مواجهة الولايات المتحدة. هذا الطموح الأمريكي- الأوروبي سيطر على جهود الطرفين في اتجاهين؛ الأول، الخروج من قمة الدول العشرين الكبرى في بالي بإدانة صريحة لما حرص الغربيون على تسميته ب«الحرب الأوكرانية»، وهي التسمية التي ترفضها روسيا وتعطيها اسماً آخر هو «العملية العسكرية». الثاني تضمين البيان الختامي فقرة تنص على منع روسيا من استخدام أسلحة نووية في أوكرانيا، إضافة إلى دعوة الصين للقيام بدور لتلطيف نشاط كوريا الشمالية الصاروخي والنووي الذي سيطر بدوره على أعمال قمة الأسيان، خاصة من جانب كوريا الجنوبية واليابان.

الطموح الأمريكي لدفع الصين للانخراط فى هاتين المهمتين لم يأت من فراغ. فأجواء القمة التي جمعت الزعيم الصيني شي جين بينغ، مع الرئيس الأمريكي جو بايدن، في بالي جاءت مشجعة لهذا الطموح الأمريكي. فالتوافق بين شي وبايدن على رفض اندلاع حرب باردة عالمية جديدة أعطى للأمريكيين ضوءاً أخضر للمضي في نهج «مسار أكثر دبلوماسية» مع الصين.

وإذا كان بيان قمة بالي اعتمد نصاً هو الأول من نوعه للتعبير عن حالة الانقسام في مواقف الدول أعضاء القمة بالنسبة لإدانة الحرب الروسية، هي صيغة أن «أغلبية الدول الأعضاء تدين بحزم الحرب في أوكرانيا»، واعتبار أن النزاع الأوكراني «يقوض الاقتصاد العالمي ويسبب معاناة بشرية هائلة» فإنه، وإن كان نصّ أيضاً على أن «هناك آراء أخرى وتقييمات مختلفة للوضع والعقوبات، يعتبر «إدانة» لروسيا، جرى تمريرها في وجود الصين، الأمر الذي يطرح تساؤلات مهمة بالنسبة إلى الآفاق المحتملة للعلاقات الروسية – الصينية، والعلاقات الصينية – الأمريكية.

هل الحرص الأمريكي- الصيني على عدم الانجرار نحو حرب باردة عالمية يقلص توجهات «التنافس الساخن» بين الصين والولايات المتحدة؟ وهل الحرص الصيني على عدم الانجرار نحو حرب باردة عالمية ينهي طموحات الصين للسعي لتغيير النظام العالمي الراهن من منظور الهيكلية (التعدية بدلاً من الأحادية)، ومن منظور الأيديولوجية (رفض عولمة الليبرالية الجديدة)؟ وإذا كانت الصين حريصة على فرض نظام عالمي أكثر عدالة وديمقراطية، هل سيكون بمقدور الصين وحدها تحقيق هذا الطموح من دون التحالف مع روسيا؟ وهل ستبقى الولايات المتحدة مستسلمة لهذا الطموح الصيني؟

الأسئلة مهمة والإجابات كلها تأخذنا إلى «استراتيجية الغموض الدبلوماسي» الصينية. فالصين حريصة على عدم التورط في حرب مع تايوان تكون شبيهة في تداعياتها للتورط الروسي في أوكرانيا، وهي ما زالت حريصة على استكمال مشوار التقدم التكنولوجي- الاقتصادي- العسكري كي تستطيع أن تنافس بجدارة على الزعامة العالمية، ولذلك هي حريصة حالياً على «تهدئة الأزمات».

لكن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي كشفت أن «حاجة العالم للقيادة الأمريكية كبيرة، كما لم تكن في أي وقت مضى، وأن الولايات المتحدة تخوض حالياً منافسة استراتيجية كبيرة لتشكيل مستقبل النظام العالمي». هذه النظرة الأمريكية المتعالية لن تمر مرور الكرام، لا على الصين ولا على روسيا، ولذلك، فإن المسعى الصيني لعرقلة هذا المسار الأمريكي لن يتم بتحقيق قفزات في عملية التقدم فقط، بل أيضاً بالتحالف مع روسيا، الأمر الذي سيحظى حتماً، باهتمامات مشتركة لمعالجة سلبيات ما حدث في بالي من محاولات اختراق أمريكية للتحالف الصيني – الروسي.

[email protected]

https://tinyurl.com/mt98y6d3

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"