فوضى الاقتصاد البريطاني

22:09 مساء
قراءة 4 دقائق

سيد زين رضوي*

بلغ الإخفاق (السياسي – الاقتصادي) البريطاني مؤخراً، ذروته وسط حالة من الانهيار المأساوي. وكما كان متوقعاً، استقالت رئيسة الوزراء، ليز تراس، بعد 45 يوماً فقط، من توليها المنصب. وخلَفها الحالي ريشي سوناك، رئيس الوزراء البريطاني الثالث خلال شهرين، كان انتقد بشدة خطة سلفه المالية الكارثية خلال حملة الترشح الصيفية التي سبقت استبدال بوريس جونسون.

وبينما نجحت في اجتذاب حزب المحافظين اليميني المتطرف بخطابها المناهض للهجرة والمؤيد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فشلت سياسات تراس الاقتصادية في جذب الأسواق المالية. وفي غضون أسابيع فقط، وبعد أن عادت بريطانيا إلى الحياة الطبيعية بعد حزنها على وفاة ملكتها الأطول حكماً، أدت التخفيضات الضريبية التي أجرتها رئيسة الوزراء المستقيلة، وخطط الاقتراض إلى إحداث فوضى عارمة. فانخفض الجنيه الاسترليني إلى مستوى قياسي؛ وارتفعت معدلات الرهن العقاري إلى مستويات غير مسبوقة. ما أجبر بنك إنجلترا على التدخل لتهدئة الأسواق وحماية صناديق التقاعد الهشة من الانهيار.

وعلى الضفة المقابلة، فإنه من المُسلّم به أن الولايات المتحدة تشهد استقراراً سياسياً نسبياً، على الأقل بالمقارنة مع فترة ترامب. ورغم أن الاقتصاد الأمريكي يتجه نحو الركود التدريجي، لا يُظهر الاحتياطي الفيدرالي أي علامة على الذعر، أو فقدان السيطرة، ومن الواضح أن المستثمرين لم يفقدوا الثقة بحكومة الولايات المتحدة، على عكس التوتر الحاصل في المملكة المتحدة. ومع هذا، هناك أوجه تشابه، ولو قليلة، بين الثنائي الغربي.

ولتلخيصها والتحليل المتعمق أكثر، يجب أن نسأل أنفسنا أولاً: لماذا جاءت الخطة الاقتصادية البريطانية بنتائج عكسية؟

من المعروف أن بريطانيا هي واحدة من أكثر الاقتصادات الصناعية الغربية محورية. ورغم هذا، فإن الميزانية المصغرة التضخمية أكسبت المملكة توبيخاً نادراً وملاحظات عامة من صندوق النقد الدولي بشأن الحماقة المالية المتبعة، ملاحظات عادة ما تكون موجهة للاقتصادات الناشئة التي تشتهر بعدم المسؤولية المالية. ولم يكن ذلك فقط بسبب التخفيضات الضريبية غير الممولة البالغة 45 مليار جنيه استرليني، وهي أكبر حزمة ضريبية لبريطانيا منذ أكثر من خمسة عقود، لكنه كان رد فعل على التناقض الذي رسمه نظام تراس بين السياسة النقدية المحافظة لبريطانيا والاستراتيجيات المالية شبه الليبرالية. فأدرك صندوق النقد الدولي أن هذا الصراع لن يؤدي إلا إلى تفاقم حالة عدم اليقين الاقتصادي التي تلوح بالفعل في الأفق، خصوصاً في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية المتواصلة.

وفي الفترة التي شدد فيها العالم الغربي، جنباً إلى جنب مع بنك إنجلترا المركزي، سياسته لمواجهة التضخم الذي تغذيه الطاقة، قدمت الحكومة البريطانية السابقة خطة، من دون أي تقييم للتأثير المالي المحتمل، لاقتراض الأموال وتمويل التخفيضات الضريبية وإلغاء القيود المفروضة على مكافآت المصرفيين. وفي الفترة التي شهدت فيها الطبقة العاملة تضخماً في فواتير الطاقة، خططت حكومة تراس لبدء النمو الاقتصادي من بوابة «الاقتصاد المتدرج»، أو مفهوم اقتصادات جانب العرض، من دون أي أجندة موضوعية لجلب الاستثمارات الأجنبية.

وبطبيعة الحال، ثارت الأسواق المالية بسبب إغراق ديون المملكة المتحدة ما تسبب بارتفاع أسعار الفائدة، ووصول قروض الرهن العقاري لعنان السماء، وانخفاض الجنيه الاسترليني إلى التكافؤ تقريباً مع الدولار الأمريكي. فعكس وزير الخزانة السابق، كواسي كوارتنغ، على الفور معظم سياساته، محذراً من التخفيضات المؤلمة في الإنفاق المستقبلي، قبل أن يستقيل لاحقاً.

وبالرغم من عدم اليقين السياسي الذي يختمر في أروقة الكونغرس الأمريكي، لم تضع الولايات المتحدة نفسها في الموقف البريطاني نفسه. حيث أعادت إدارة بايدن، إلى حد ما، الاستقرار المفقود إلى المشهد السياسي الأمريكي، وتراجعت نزعات «اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» إن لم تختفِ تماماً. ويبدو أن الولايات المتحدة عادت إلى توازنها الكلاسيكي بين الدبلوماسية والردع، الذي كان مفقوداً بشكل ملحوظ منذ عام 2017. ومع ذلك، لم يكن كل شيء برّاقاً في الديناميكيات المحلية والدولية.

ووفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي، تعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من أكثر الاقتصادات الصناعية ارتفاعاً في عجزهما الهائل في كل من الميزانيات والحسابات الجارية. حيث إن عجز الحساب الجاري لبريطانيا هذا العام سيكون نحو 4.8% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 3.9% للولايات المتحدة. كما اقترضت الدولتان أكثر من 4% من الناتج المحلي الإجمالي لكل منهما، لتمويل هذه الفجوات.

إن مثل هذا العجز الضخم يعني ضمناً الحاجة المستمرة لتدفق رأس المال. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الاقتصادات المتقدمة مثل اليابان وفرنسا تعاني أيضاً من عجز حكومي ضخم. لكن لا يوجد أي عضو في مجموعة السبع يعاني من عجز في حسابه الجاري مثل العجز البريطاني والأمريكي.

أما الخطر الآخر فهو القيمة الصاخبة للدولار الأمريكي. إذ دفعت الزيادات المتسارعة لأسعار الفائدة من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي العملة إلى أعلى مستوياتها منذ عقود. وهذا العام وحده، ارتفعت قيمة الدولار أكثر من 18% مقابل سلة من العملات الرئيسية الأخرى.

*مودرن دبلوماسي

https://tinyurl.com/3jmexhhj

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"