خلفيات تاريخية للموسيقى العربية

00:04 صباحا
قراءة دقيقتين

هل من العسير أن تستوعب الأوساط الموسيقية العربية، أن الموسيقى العربية في مأزق؟ الجواب بسيط: لا يستطيع من تتجسّد فيه المشكلة أن يدرك أنه هو المشكلة. في هذه الحالة، يكون مفهوم التطوير لديه تطويراً للمشكلة، بالدوران في حلقتها المفرغة، بينما فضاءات موسيقانا موسوعة حضارية.
المأزق الحقيقي هو أن أوساط الموسيقى العربية صارت «وكالة بلا بوّاب»، لا علاقة لها بالمدارس العليا للموسيقى، ولا بمراكز البحوث الموسيقولوجية، التي لا نملك براهين عينيّة على وجودها، ولا بمعاهد الدراسات النغمية، وهي نادرة عربيّاً. يضاف إلى ذلك مأزق ثان، هو انعدام الأواصر بين الموسيقى العربية والفكر. هذا في حدّ ذاته جبل مشكلات. علاقة الوسط الفني بالمفكرين، تشكل مناعة مكتسبة ضد الابتذال والهبوط. الفن الذي تحرسه الفلسفة والفكر، لا تجرؤ الطفيليات على اختراق حصونه. يضاف مأزق ثالث، هو أن الموسيقى العربية مسمى نطلقه للدلالة على هويّة ضمن خريطة جغرافية معيّنة، في حين أنه ليس تعريفاً علميّاً دقيقاً، خصوصاً حين نرشّ عليه التوابل الثقافية، كأن نصف ألواناً محددة بأنها موسيقى عربية أصيلة. الخارطة الممتدّة من الماء إلى الماء اليوم، لها مؤثرات وخلفيات تاريخيّة تعود إلى أكثر من أربعة آلاف عام، من مصر القديمة وصلاتها بالموسيقى اليونانية، وادي الرافدين، أثر المقامات والموسيقى السريانية (الكنسيّة وغيرها)، باقة العوامل التي تشكلت منها الموسيقى الأندلسية، أي العناصر العربية والأوروبية والإفريقية، وانتقالها إلى بلاد الشمال الإفريقي، في المشرق نشأ تمازج كبير مع المقامات والموسيقى الإيرانية، وحمل الأتراك العثمانيون المقامات الإيرانية إلى مصر وبلاد المغرب العربي. الموسيقى التركية هي في حدّ ذاتها مجموعة مؤثرات، من الجذور المغولية والصينية إلى بيزنطة واليونان. لا ننس البصمات الإفريقية والهندية و«البندرية» في موسيقى بلدان مجلس التعاون.
في هذه العجالة الموجزة نرى الأبعاد الكامنة في مسمى الموسيقى العربية. لكن تحديد مرجعيات العناصر والعوامل والمؤثرات، يحتاج إلى مؤسسات بحوث في العلوم الموسيقية، وهي فراديس متعة نحن محرومون منها في العالم العربي. هذه المراكز العلميّة لها وزنها الثقافي والعلمي والفكريّ، فهي ترفع مستوى الثقافة الموسيقية، وتلقي الرعب في قلوب المتطفلين فلا يتجرّأ أحد على إصابة الفنون بآفات الهبوط وعاهات السقوط.
لزوم ما يلزم: النتيجة التثمينيّة: بحوث العلوم الموسيقية إلى جانب الأنثروبولوجيا الموسيقية، وفلسفة الموسيقى، لها كراسيّ في الجامعات العالمية.
[email protected]

https://tinyurl.com/4fxcz8db

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"