عادي

«مرسم في باتينيول».. نجوم الأدب والفن في لوحة

جمعت بين زولا ومانيه ورنوار
16:17 مساء
قراءة 4 دقائق
هنري فانتان لاتور

الشارقة: علاء الدين محمود

يعد الفنان الفرنسي هنري فانتان لاتور «1836 – 1904»، من الشخصيات اللافتة في نوعها في أوساط الفنانين والمثقفين الفرنسيين خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ويعدّ رومنطيقي المزاج، وكان شديد الإعجاب بفن الرسام أوجين ديلاكروا، وموسيقى فاجنر التي كانت مصدر وحي لبعض رسومه المعدة للطباعة، وكان أسلوبه يميل إلى المحافظة على تقاليد الرسم والاهتمام بالتركيب المدروس البعيد عن العفوية، ويكنّ احتراماً كبيراً للانطباعيين ولثورتهم التجديدية، وعلى رأسهم قائد تيارهم الجديد إدوار مانيه.

درس لاتور الرسم أولاً على يد والده الذي كان فناناً أيضاً، ثم التحق بمدرسة الفنون الجميلة في باريس عام 1854، وبعد تخرجه أمضى سنوات عديدة في متحف اللوفر ينسخ لوحات كبار الفنانين بإتقان شديد، وهو الأمر الذي ساعده على بلورة تقنية فنية نبغ فيها، حتى أن فحص بعض لوحات الزهور التي رسمها بواسطة أشعة إكس يظهر أنها خالية تماماً من أي تراكم للألوان فوق بعضها؛ حيث إن ضربة الفرشاة الأولى عنده هي الضربة الأخيرة بلا أخطاء.

‭ ‬

لوحة «مرسم في باتينيول»، تعتبر أحد أهم أعمال لاتور، وهي مستلهمة من علاقة ربطت بين مبدعين عظيمين، أحدهما ينتمي إلى عالم الأدب، والآخر من أشهر فناني الرسم، وهما الفرنسيان إميل زولا، وإدوارد مانيه؛ حيث إن العمل هو بمنزلة تخليد لذكرى تلك العلاقة الراسخة والقوية التي جمعت بين الشخصيتين العظيمتين، كلٌّ في مجاله، حيث يعدّ مانيه «1832 1883»، صاحب ممارسات راسخة في تاريخ الفنون، فهو يعتبر أحد أهم رواد المدرسة الانطباعية، وتعتبر أعماله اليوم علامة فارقة في تاريخ الرسم؛ إذ تمثل بداية الفن الحديث، بسبب صورها الطليعية التي تعكس جماليات الحياة المعاصرة، إلى حد أن الانطباعيين قد اعتبروا مانيه زعيمهم الروحي، فيما كان زولا «1840 – 1902»، هو الأديب الروائي والناقد الشهير؛ حيث يعدّ من الكتاب والنقاد الفرنسيين المؤثرين في الرأي العام، ويمثل أهم نموذج للمدرسة الأدبية التي تنتمي إلى المذهب الطبيعي في الأدب والفن، وكان شخصية مهمة في المجالات السياسية.

-----------------

*علاقة

-----------------

بدأت العلاقة بين زولا ومانيه في عام 1866، ومنذ اللقاء والتعارف الذي جمع بينهما، صار كل واحد منهما يدافع عن الآخر في وجه هجمات الصحافة والخصوم من الفنانين، وقد أثمرت هذه الصداقة أن صارت أعمال مانيه تحقق نجاحاً كبيراً وتجد قبولاً منقطع النظير بين عشاق الفنون والنقاد، وذلك بسبب المقالات التي كان يكتبها زولا، والتي كانت تعرّف الناس بمانيه، وكذلك بالمدرسة الانطباعية وخصائصها وأساليبها، الأمر الذي شكل وعياً بذلك التيار وذائقة فنية وسط جمهور الفن، والحقيقة أن مانيه قد رسم لوحة لزولا تعبيراً عن امتنانه للدعم الفعال الذي قدمه لفنه، وقد كتب زولا في عام ١٨٦٦، مقالة نقدية رائعة عن مانيه، الذي كان حينها يتعرض لهجوم شديد من قبل النقاد، وكان صاحب الفضل في هذه العلاقة القوية التي جمعت بين الرسام والأديب هو الفنان أنطوان جيليميت، الذي اشتهر برسم المناظر الطبيعية.

*وصف

في لوحة «مرسم في باتينيول»، جمع لاتور، بين زولا ومانيه في لوحة واحدة، في مرسم الأخير، إضافة إلى بعض الشخصيات الفنية والأدبية والإعلامية المهمة في ذلك الوقت، وتجمع بين كل تلك الأسماء الموجودة في العمل علاقة صداقة، غير أن كثيراً من النقاد يستبعدون أن يكون جمع من الأشخاص قد تواجدوا في مرسم مانيه في وقت واحد، غير أن خيال لاتور الجامح ومحبته لهم، هما اللذان صنعا هذا المشهد المتخيل، ويشير بعض مؤرخي الفن أن هنالك بعض المؤشرات والدلائل على أن هذه اللوحة تكوّنت من مجموعة رسومات تحضيرية متفرقة، ثم جمعت كلها في لوحة واحدة، وعلى الرغم من وجود شخصيات معروفة في اللوحة إلا أن تركيز الفنان كان بصورة أكبر على زولا ومانيه باعتبار أن اللوحة نفسها هي تخليد لذكرى صداقة المبدعين.

وفي مشهد اللوحة يرى الناظر مانيه بملامح وجهه الحقيقية، وهو منهمك في عملية الرسم، ولا يبدو أنه يلقي بالاً لوجود كل ذلك الحشد في مرسمه، فهو في شغل شاغل؛ إذ يمارس هوايته وعمله المفضل وهو يرتدي سروالاً أبيض، وبالقرب منه تجلس شخصية معروفة في ذلك الوقت وهو الناقد والكاتب زكريا استروك، الذي كان ضمن أقوى المدافعين عن المدرسة الانطباعية، ويظهر في مشهد اللوحة كذلك كل من الرسام الألماني أوتو شولدرير، والفنان رنوار وهو يعتمر قبعة، والموسيقي إدمون ماتر، والرسام فردريك بازيل، إضافة لزولا الذي يبدو هو الآخر لا يلقي بالاً بما يفعله صديقه مانيه المنهمك في الرسم.

*تفاصيل

اللوحة جمعت نجوم الفن والأدب في ذلك الوقت، وبصورة خاصة رسامي المدرسة الانطباعية، والكتاب والصحفيين المدافعين عن ذلك التيار الفني الذي كان بمنزلة ثورة إبداعية كبيرة، وكان مانيه هو ممثله الأبرز، وتكمن عبقرية الفنان لاتور في تمكنه من توظيف الألوان الداكنة والإضاءة بطريقة تظهر الوجوه بصورة واضحة.

استقبل عشاق الفن اللوحة باحتفاء كبير، وحاول بعض النقاد رصد دلالات رمزية في اللوحة؛ حيث أشار بعضهم إلى أن المزهرية الظاهرة في الجهة اليسرى هي يابانية الأصل والتصميم، وذلك يدلل على انفتاح هؤلاء المجددين على فنون الشرق الأوسط، وبالذات اليابان التي كانت ذات تقاليد فنية عالية المستوى كان لها تأثيرها على الكثير من الفنانين الغربيين الكبار، كما لفت بعض النقاد إلى أن الإطار المعلق على الحائط هو إشارة إلى أن الانطباعية هي الفن الجديد المرتقب، في ما أكد الكثير من المؤرخين والنقاد على أن قيمة اللوحة الأساسية تكمن في طابعها التوثيقي والتاريخي.

https://tinyurl.com/yc4298mw

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"