الإمارات ورهانا القوتين الناعمة والذكية

01:23 صباحا
قراءة 3 دقائق

الحسين الزاوي

يمثل الاحتفال السنوي بعيد الاتحاد لدولة الإمارات العربية المتحدة، مناسبة لترسيخ شعار روح الاتحاد، حيث يصادف هذه السنة الذكرى 51 لتأسيس هذا الصرح الوطني الشامخ الذي جمع ووحّد كل إمارات الدولة الاتحادية برئاسة المغفور له الأب المؤسّس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه؛ ويأتي الاحتفال بالعيد الوطني هذه السنة والإمارات تشهد ترسيخاً وتوطيداً لمسيرتها التنموية التي انطلقت في السبعينات من القرن الماضي، ووصلت إلى ذروتها بعد انتخاب صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيساً للدولة من طرف إخوانه شيوخ الإمارات الأعضاء في المجلس الأعلى للاتحاد، يوم 14 مايو الماضي؛ ليتم بذلك تدشين انطلاقة جديدة في مسيرة البناء والتقدم، ستمكن الإمارات من تعزيز استقرار مؤسساتها ومضاعفة قوتها الناعمة.

ويحيل الحديث عن القوة الناعمة للإمارات في ظل التحولات الإقليمية والدولية الجارية، والتي تصاعدت وتيرتها خلال السنوات الماضية، إلى سلطة وكفاءة دولة الإمارات على التأثير والإقناع بناءً على سياسة قادرة على تحقيق أهداف القيادة الحكيمة للبلاد وعلى تجسيد برامجها على جميع الصعد، وذلك بفضل ما حققته وتحققه الإمارات من إنجازات كبرى في شتى المجالات الاقتصادية والعلمية والتعليمية والثقافية والفنية، وبفضل أيضاً ما قامت به من استثمارات هائلة على مستوى البنى التحتية، وعلى مستوى تكوين وتطوير العنصر البشري خدمة لتقدم ورقي المواطن الإماراتي، وبالتالي فقد تجسّدت القوة الناعمة للإمارات في مناسبات ومنابر عديدة أبرزت تفوّق القيادة السياسية للإمارات في كل أشكال التواصل العامة.

وعليه فلم يكن من باب المصادفة أن تحتل الإمارات المرتبة الأولى عربياً والخامسة عشرة عالمياً على مستوى المؤشر العالمي للقوة الناعمة لسنة 2021، متقدمة بذلك على دول غربية ذات قدرات اقتصادية وتنافسية عالية مثل هولندا والنرويج والدنمارك، وذلك نتيجة للتطورات الهائلة التي حققتها الإمارات على المستوى الصحي وفي إدارة تداعيات الجائحة، وبالنظر إلى إسهاماتها السخية في تقديم المساعدات الدولية وتحقيقها للتعافي الاقتصادي السريع من آثار التراجع الاقتصادي الذي عايشه العالم بسبب إجراءات مكافحة انتشار فيروس كورونا، وذلك فضلاً عن نجاحها في إدارة وتسيير العديد من المواعيد العالمية المهمة وفي مقدمتها «إكسبو دبي 2020»، واحتلالها المركز الرابع عالمياً في سهولة ممارسة الأعمال في سياق دولي بالغ الصعوبة والتعقيد.

ويأتي التألق الإماراتي المتواصل في مجال القوة الناعمة بفضل عمل منهجي ومدروس حرصت القيادة العليا للدولة على إنجازه منذ سنوات من خلال إعطائها أهمية قصوى لبناء وتطوير آليات القوة الناعمة، الأمر الذي ظهرت نتائجه واضحة للعيان في الكثير من المناسبات والتظاهرات العالمية التي استضافتها مدن وحواضر الإمارات، وستمثل استضافتها خلال السنة المقبلة للقمة العالمية للمناخ في نسختها 28، إحدى المحطات الرئيسية في مسيرة القوة الناعمة.

ويمكن القول إن إعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، عن تشكيل مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة في إبريل/ نيسان سنة 2017، يمثل تجسيداً عملياً ومؤسساتياً لهذا الحرص الذي توليه القيادة السياسية للدولة من أجل تطوير القوة الناعمة، وبخاصة أن هذا المجلس يهدف إلى تعزيز سمعة الإمارات على المستويين الإقليمي والدولي، وإلى ترسيخ احترامها ومحبتها بين دول وشعوب العالم، وذلك إضافة إلى قيامه برسم السياسة العامة واستراتيجية القوة الناعمة للإمارات، وهو يتبع مباشرة إلى مجلس الوزراء، ممّا يجعله أكثر قرباً من قمة صناعة القرار على مستوى القيادة الاتحادية للبلاد.

ومن الواضح أن المكانة المتقدمة التي حققتها الإمارات في سلّم القوة الناعمة، لا يعني تفريطها في القوة الصلبة والمادية التي تمثل رهاناً استراتيجياً قد يفوق من حيث أهميته رهان القوة الناعمة، من منطلق حرص القيادة العليا للدولة على المحافظة على سيادة الإمارات وعلى استقلالية قرارها الوطني، في سياق معادلة دقيقة لا إفراط فيها ولا تفريط، تمزج بكثير من الحصافة والحكمة بين القوتين الناعمة والصلبة في إطار ما يمكن أن نصفه بالقوة الذكية، لذلك فقد عملت الإمارات على بناء قدراتها العسكرية وعلى تطوير جيشها، وعملت أيضاً على جعل هذه القوة المادية والعسكرية قائمة على مقدرات وإمكانيات محلية متقدمة من خلال إنشاء قاعدة متكاملة في مجال الصناعات العسكرية والأمنية، كما قامت بتطوير قدراتها وكفاءتها في مجال الحروب الإلكترونية والسيبرانية.

[email protected]

https://tinyurl.com/42h9jhbk

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"