حيرة العقل في العلوم

00:04 صباحا
قراءة دقيقتين

هل سيدخل العلماء عصراً صوفيّاً فلسفيّاً؟ إذا كان طارح السؤال واهماً أنه جدّي، فإنه جاء متأخراً مئة عام، والقرن قليل إذا عدنا إلى ينابيع العرفان في التاريخ. مجلة «لا روشيرش» (البحث) الفرنسية، في آخر أعدادها الخاصة الفصلية، كان محور العدد «الواقع»، فيه مقال مطوّل مثير كتبته فيلسوفة العلوم، يونا تونّير (تونّير معناها رعد)، تحت عنوان «نحو تعريف رياضياتي للواقع».
صار الواقع مبحثاً جوهرياً في الفيزياء، في فيزياء الكمّ، في علوم الأحياء، متداخلاً في أغلب الأحيان مع الوعي: ما هو الواقع؟ ما هو الوعي؟ هذه الميادين متداخلة مع الفلسفة وفلسفة العلوم، وهذا الجسر يفضي لا محالة إلى التأملات الصوفية. خذ مثلاً: بماذا تشعر حين يطرق سمعك عنوان كتاب عالم الأحياء الأمريكي جيرالد إيدلمان «كيف تصير المادة وعياً؟» أو خيالاً؟ كأنك تقول: كيف تصير الفيزياء عناصر كيميائية قادرة بعد قرابة 14 مليار عام على إبداع موسيقى وشعر ومركبات فضائية وحواسيب وروبوتات ذكية؟
كان على الدكتورة الفرنسية «رعد» أن تشير إلى الومضة العرفانية لدى أينشتاين: «المشكلة الحقيقية هي أن الفيزياء نوع من الماورائيات»، أي أن الفيزيائي ستيفن هاوكينج لم يأت بجديد حين قال: «إن فيزياء المستقبل ستكون ميتافيزيقا»، ماورائيات.
السبب واضح، وهو أن حشود كبار العلماء في شتى العلوم في الجهات الأربع، لا يعرفون شيئاً بعد عن 95% من مادة الكون. النسبة العظمى هي مادة سوداء وطاقة سوداء، والمصطلحان، إلى أن ينكشف المحجوب وتظهر حقيقة الواقع، هما مجرد تخمين واستدلال منطقي منقوص. أولئك لم يؤتوا من العلم إلاّ قليلاً.
ينتقي القلم للقارئ الأسئلة المهمة في المقال «المرعد»: «هل نحن غير قادرين على أن نعرف من الواقع غير بنيته الرياضياتية؟» كأنها تشير بالتورية إلى مقولة جاليليو جاليلي: «العالم كتب بلغة الرياضيات». تقول: «هل نحن قادرون على إعادة رسم الطريقة التي تشكلت وتطورت بها البنى العظمى في الكون كالمجرات وعناقيد المجرات، والمكونات الدقيقة كالذرات والجسيمات ما دون الذرية، إلى يومنا هذا؟»، وتبني على ذلك أهميّة الاستشراف وصعوبته: «هل نستطيع التنبؤ بدقة كيف سيتطور كوكبنا ومجموع الكون مستقبلاً؟».
لزوم ما يلزم: النتيجة التشكيكية: تستبعد الفيلسوفة، يونا تونّير، إمكانية قدرة العلوم على الإجابة عن السؤال المحيّر: «من أيّ شيء هو العالم مصنوع؟» ما كل ما يتمنى العقل يدركه.
[email protected]

https://tinyurl.com/24p3x9v7

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"