عادي

صور المخ الجديد تعالج أمراض الاكتئاب

20:57 مساء
قراءة 3 دقائق

القاهرة: «الخليج»

علم الجهاز العصبي متعدد التخصصات، يُعنى بدراسة العديد من الموضوعات المتصلة بالجهاز العصبي، ومن أهمها بنيته، والأساس الكيميائي لنشاطه، والتفاعل بينه وبين الجهاز الغدي، وعوامل الاضطراب والتحلل التي تنتابه ووظائفه، وقبل كل ذلك وبعده، كيف يقوم الجهاز العصبي بوظائف التحكم وإصدار السلوك؟ وكيف يؤثر سلوك الفرد في الجهاز العصبي؟. يسمى هذا التخصص الأخير الذي يركز على السلوك: علم النفس البيولوجي، ويدرس كل جوانب السلوك البشري، الانفعال، والدوافع، والسلوك الاجتماعي، والتذكر، والنسيان، واللغة، والإدراك، والمعرفة، لكنه يختلف عن فروع علم النفس الأخرى من حيث إنه يعطي اهتماماً خاصاً للأبنية والأنشطة العصبية، التي تصاحب هذه الوظائف والعمليات النفسية.

هذا العلم بهذا التعريف ليس جديداً، فلطالما شغلت قضية العلاقة بين المخ والسلوك أذهان العلماء والفلاسفة على مر التاريخ، لكن الجديد الذي حدث هو هذا التراكم المذهل في المعلومات، الذي حدث في السنوات الأخيرة، وأدى إلى نقلة نوعية في فهمنا للمخ، وكيفية قيامه بوظائفه.

ولم يحدث هذا التقدم إلا بفضل تقدم مذهل آخر في تكنولوجيا قياس المخ وتصويره، إذ مكنت التكنولوجيا الجيدة لتصوير المخ من خارجه وأثناء ممارسته لنشاطاته، من فتح نوافذ جديدة نستطيع من خلالها أن نرى المخ وهو يقوم بعمله من خلال رصد التغيرات التي تطرأ على نشاطه وهو يقوم بذلك العمل، كما يرد في كتاب «ريتشارد ريستاك» وعنوانه «المخ الجديد.. كيف يعيد العصر الجديد صياغة العقل؟».

يوضح الكتاب الذي ترجمته إلى العربية عزة هاشم، وصدر عن المركز القومي للترجمة، أننا تعلمنا الكثير عن المخ البشري خلال العقدين الماضيين، الأمر الذي أدى إلى حدوث تغيير جذري في فهمنا، ويمكن القول إن عصر المخ القديم قد انتهى وأفسح الطريق لما يمكن أن نطلق عليه عصر المخ الجديد، فالمخ القديم كان بعيداً وغامضاً يختفي في أعماق الجمجمة، ويصعب على المختصين تناوله بالدراسة، إلا من ذوي الجرأة والجسارة على الاختراق والنفاذ عبر الأغشية الوقائية الثلاثة التي تحيط به.

لعل تلك المنعة التي اتصف بها المخ هي السبب وراء معرفتنا المحدودة به في حالته الطبيعية، وقد حاول المتخصصون دون جدوى البحث عن إجابات لأسئلة تتعلق بالمخ من قبيل: كيف يرتبط بأفكارنا ومشاعرنا وسلوكنا اليومي؟.

إذا نظرنا إلى المخ الجديد لوجدناه على النقيض من ذلك، إذ لا تقضي دراسته القيام باقتحام خطر، فأصبح من الممكن استكشافه من خارجه، باستخدام وسائل التصوير بالكمبيوتر، مثل التصوير بالأشعة المقطعية، وتظهر تلك الوسائل تفاصيل دقيقة عن أداء المخ وتوافر نوافذ تمكن علماء الأعصاب من ملاحظة الجوانب الوظيفية المختلفة للمخ دون اضطرار إلى فتح الجمجمة أو القيام بأي إجراءات خطرة أخرى.

يرجع الفضل إلى وسائل التصوير الحديث في أن علم المخ أصبح قادراً على إمدادنا بصور للمخ البشري، كانت تعتبر منذ عقود قليلة ضرباً من الخيال العلمي، وأصبحنا قادرين على دراسة عمليات المخ أثناء حدوثها بالفعل: عندما نفكر أو نؤدي اختباراً للذكاء، أو نمارس مهنة أو مهارة معينة، أو نمر بخبرة انفعالية أو نتخذ قراراً، ويمكن لاختبارات المخ أن تخبرنا ما إذا كنا نقول الحقيقة باستخدام جهاز كشف الكذب، أم لا.

يشير الكتاب إلى أن الاهتمام في عصر المخ الجديد انتقل من دراسة الأمراض والوظائف المعتلة إلى فهم أمخاخ الأفراد العاديين الذين لا يعانون أي أمراض، وترتب على ذلك التوجه الجديد نتائج مثيرة للاهتمام، إذ أصبح البحث العلمي قادراً على تزويدنا بإرشادات مفيدة، تتعلق بحياتنا اليومية، مثال ذلك ما تشير إليه الاكتشافات الحديثة من أنه يمكن للفرد باتباع إرشادات معينة قائمة على فهم عمل المخ، أن يحقق أداء متميزاً في مجال الرياضة أو الأنشطة الأكاديمية.

يؤكد المؤلف أن اكتشافات القرن الواحد والعشرين عن المخ سوف تمدنا برؤى جديدة لأفعالنا وتفكيرنا ومشاعرنا، وبفضل التكنولوجيا المتقدمة يقوم علماء الجهاز العصبي بالربط بين وظيفة المخ والشخصية، ويحاولون القيام بتركيب عقاقير نوعية خاصة ومناسبة لكل فرد على حدة من مرضى الاكتئاب والقلق والأمراض النفسية والعصبية، كذلك استطاع هؤلاء العلماء الربط بين التكوين الوراثي للفرد والعنف والسلوك المضاد للمجتمع وغيرها من الأمراض النفسية، ويمكن القول إن البيولوجيا ستفسح الطريق للتكنولوجيا لتلعب الدور الأكبر في تطور المخ البشري، وهذا ما يهدف إليه هذا الكتاب، وهو عرض التغيرات التي يمكن توقعها في عصر المخ الجديد.

https://tinyurl.com/5n7j4p35

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"