كرة القدم والهويّات

00:05 صباحا
قراءة دقيقتين

يمكن القول إن مسابقات كرة القدم، كتلك التي تجري الآن في مونديال قطر، تعدّ مختبراً لقياس أثر الهويّات، الوطنية والقومية منها خاصة، بدراسة سلوك المشجعين للفرق، ولا نعني بالمشجعين أولئك الجالسين على مدرجات الملاعب يشاهدون سير المباريات بأم أعينهم فقط، وإنما كل الجماهير حول الكوكب والتي تتابع بكل شغف مسار المباريات، ولن يفلت من هذا الشغف حتى أكثر الناس بعداً عن متابعة أمور الرياضة، ومن الرجال والنساء، على حدٍ سواء.
 وعلى سيرة الرجال والنساء، بوصف الجندرية داخلة، هي الأخرى، في خانة الهويّة، سألتني أديبة زميلة إن كنت اطّلعتُ على كتابة، أو عمل أدبي يتصل بعلاقة النساء بكرة القدم، فحفزتني على البحث في الموضوع، ولم أجد ما يشفي الغليل، باستثناء مقال للباحثة التونسية آمال قرامي، تلفت فيه النظر إلى أنه «وبالرغم من حرص فئة من الشابات والنساء على اقتحام المجال الرياضي، وفرض وجودهن وكسب الاعتراف، فإنّ الحضور النسائي المعبّر عن شغف حقيقي بلعبة كرة القدم وفهم لأصول اللعب لم يفض إلى تغيير في البنى الذهنية والسلوك والخطابات يتلاءم مع ثقافة حقوقية تناهض كلّ أشكال التمييز والعنف ومع سياسات الدول التي اعتمدت، أو أجبرت على إدماج النوع الاجتماعي».
 عودة إلى الهويّات الوطنية والقومية وكرة القدم، فلن نجد مثالاً أفضل من حال التعاطف العربي الذي يمكن وصفه ب«القومي» مع الفرق العربية المشاركة في المونديال الحالي، والذي عزز منه أنه لم تكن هناك أي مباراة بين فريقين عربيين، فوجدنا الجمهور العربي، بقضّه وقضيضه، وبعيداً عن اختلاف أهواء الأفراد وسياسات الحكومات، يصطف في كل مكان مع الفريق العربي في كل المباريات التي خاضتها الفرق العربية، وتوّج الأمر بمباراة المغرب مع كندا، والتي تأهل فيها الأول إلى ثمن نهائي المونديال، حيث شهدنا تشجيعاً جماهيرياً عربياً منقطع النظير للفريق المغربي.
 لم يقف هذا التشجيع عند حدود الجغرافيا العربية، إنما بلغ المهاجر التي يقيم فيها العرب، ومن بينهم المغاربة، ووجدنا على ذلك مثالاً في حماس أفراد الجالية المغربية في بلجيكا، والتي مضى عليها عقود من الزمن، حيث ولدت ونشأت عدة أجيال منها في المهجر، ولكنهم ظلوا «مغربيين»، فهرعوا إلى الاحتفال بفوز فريقهم في شوارع بلجيكا التي خرجت من المنافسات.
[email protected]

https://tinyurl.com/24aj4tcm

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"