عقاب إيجابي

00:07 صباحا
قراءة دقيقتين

لم تعد المؤسسات العقابية والإصلاحية، على نفس الصورة النمطية، التي تتشكل في الأذهان عند الحديث عنها كما كان في السابق، فدورها أصبح أكبر وأعمق من كونها مجرد مكان لاستضافة المحكومين تنفيذاً لأحكام القضاء، ولم يقتصر دورها على تسليم وتسلم مخالفي القانون، بل أصبحت مهامها مؤثرة في حياة المحكومين، وقادرة على تغييرها من حال إلى أفضل.
والأذهان التي ما زالت تحتفظ بالصورة النمطية لتلك المؤسسات، على اعتبار أنها الأكثر عقلانية ومنطقية، يعدّ تصورها سطحياً وغير متعمق، ولا يلامس واقع التطوير في طبيعة وآليات عمل هذا القطاع، الذي يضم في مكوناته الأساسية، مراكز متخصصة لتأهيل النزلاء وتعديل تفكيرهم، ودمجهم في المجتمع من جديد.
وإذا سألنا أنفسنا عن حياة النزلاء في هذه المؤسسات، وكيفية تقويمهم وإعادة تأهيلهم ليكونوا أشخاصاً صالحين قادرين على الاندماج في المجتمع، وكيف تغيرت سلوكياتهم وتبدلت، وانتقلوا من السلبية إلى الإيجابية في محطة حياتية جديدة، فسنجد آلاف القصص الواقعية التي تروي تفاصيل رحلتهم.
في الأمس القريب، استوقفني إعلان المؤسسات العقابية والإصلاحية في شرطة دبي، عن استعارة النزلاء حوالي 8 آلاف كتاب منذ بداية العام وحتى الآن، وهناك 1106 نزلاء استفادوا من محاضرات دينية في المكتبة، التي تضم 15813 كتاباً منها 9 آلاف كتاب بلغات متعددة، فضلاً عن مشاركة 130 منهم في مسابقات مرصود لها جوائز نوعية.
البيانات المطروحة تشكل جانباً بسيطاً من مكونات برامج التأهيل التي تستعين بها المؤسسات العقابية والإصلاحية، لإعادة تشكيل الجوانب الشخصية والفكرية للنزلاء، إذ استندت إلى العلم والمعرفة لتضيء الدروب المظلمة، وركزت على الرعاية الدينية والوعظ والتثقيف، لتهذيب النفوس وتغذية العقول، وتحقيق الاعتدال فكرياً ونفسياً، وتغلبت على أوقات الفراغ بتحفيزهم على المنافسة في سباقات معرفية متجددة تشكل قيمة مضافة للنزلاء.
فكم من النزلاء لم يكن لديهم عمل أو حرفة، وأصبحوا بفضل البرامج التأهيلية صناعاً مهرة، وكم منهم من وجدوا فرصتهم لاستكمال دراستهم، وتعمقوا في العلم والمعرفة، ليصبحوا في مكان غير المكان. نعمْ، تشكل المؤسسات العقابية والإصلاحية الآن جسراً انتقالياً بين تنفيذ العقوبة، والعودة إلى المجتمع والانخراط فيه.
وهنا تسقط فكرة القيود، ويظل العقاب الإيجابي عنواننا العريض، فالجانب التأهيلي لعودة النزلاء إلى الحياة مجدداً أمر غاية في الأهمية؛ وليس سهلاً كما يعتقد البعض، وما نشهده من نواتج ومخرجات لبرامج إعادة تشكيل النفوس والعقول، يبلور جهود تلك المؤسسات والقائمين عليها؛ إذ حققوا نجاحات نوعية، خرج من رحمها نماذج مضيئة ونتائج مبهرة، وهنا نقول: «سبحان مغير الأحوال»، فمن ظلمات عدم الانضباط إلى قمة المطالعة والمعرفة والمشاركة في التنمية والحياة المستقرة.

[email protected]

https://tinyurl.com/28j62dc6

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"