مرهم الثقافة لرأب التصدّعات

00:04 صباحا
قراءة دقيقتين

ما رأيك في شيء من الشجن والشجى؟ هل تستطيع الثقافة أن توضع على الجراح فتلتئم؟ هنا أيضاً نحتاج إلى مصارحة وشفافية. العالم العربي، طوال عقود، قرون، لم يعرف كيف يحسن تنمية ثرواته المادية. لكن، لا ينصرفنّ الذهن أو ينحرفنّ، فيتوهمنّ أنه خبير عليم بحسن استثمار ثرواته المعنوية ومناجمه الثقافية.
المحور، يا حضرات علماء اللغة والأدباء والمثقفين، هو اللغات الأفروآسيوية الأصيلة العريقة في جذور ما هو العالم العربي اليوم: الآرامية وفروعها ولهجاتها المتعدّدة (في العراق، الأردن، سوريا، لبنان، تركيا، إيران، أرمينيا وروسيا)، والمصرية القديمة، والأمازيغية ومتفرعاتها...لا علينا بالخلفيات التاريخية للأسباب التي أدت إلى إيجاد مسافة أو تباعد أو هوة بين العربية، التي دخلت جلّ تلك الديار مع الفتوحات الإسلامية، وبين تلك اللغات.
تاريخيّة الأحداث مبحث آخر. المهم الذي يجب وضعه في الحسبان، هو النزاهة الفكرية والثقافية، التي على أهل البحث العلمي في التاريخ والإنسانيات، أي جميع فروع الإناسة، الأنثروبولوجيا، والعلوم الاجتماعية، أن يتحلّوا بها ويترفعوا عن الأساليب الإلغائية والإقصائية، التي شابت وعابت الكثير من الأعمال المتقنعة بالمنهجية العلمية. من غير اللائق أن تمارس الثقافة سياسة وضع اليد على أملاك الغير. مثقفو الأحزاب الإيديولوجية ارتكبوا الكثير من هذه الصغائر التي يأبى التهذيب وصفها بالحماقات الأكاديمية أو البلاهات المنهجية. إذاً، من فضلكم هذه البلاهة «بلاها».
يحزّ في النفس أن تضيق أذهاننا بتلك الثروات التراثية الثقافية والمعجمية، بينما نرى أوساط البحث العلمي من المستشرقين والمستعربين والمتخصصين في اللغات الأفروآسيوية، تشكل بحوثهم ودراساتهم مكتبة لا يقدر أيّ باحث في الشؤون ذات الصلة على الاستغناء عنها. هذه ثروات ثقافية إنسانية لا يمكن بحال إخفاؤها بغرابيل التعصب والاستئثار والإنكار.
بالمثال تفتضح الحال. مثلاً: كم من العراقيين والسوريين واللبنانيين، يعرفون ولو شذرات مذرات من الأدب الآرامي (السرياني) شعراً ونثراً؟ هل يستطيع المصريون أن يفهموا بالتأثيل والتأصيل خفايا الكثير من مفردات لهجتهم ومفرداتها، من دون الإلمام باللغة المصرية القديمة (القبطية)، بلهجتيها الأساسيتين، البحيرية والصعيدية؟ بالمناسبة: اليونانيون القدامى نقلوا إلى لغتهم أهم ما في التراث المصري القديم من اللغة الصعيدية. ماذا يعرف المغاربيون في واحة سيوة وليبيا وتونس والجزائر والمغرب من أدب الأمازيغية؟ كيف يفهمون لهجاتهم من دون الأمازيغية؟ كم عدد علماء العربية في مجامع اللغة الذين يتنقنون تلك اللغات أو بعضها؟ ماذا يُدرّس منها في جامعات العرب؟ أليست قاعدة ضرورية للعمل المعجمي؟
 لزوم ما يلزم: النتيجة البنيانية: هل يخفى أن التهميش إقصائي يورث تصدعات في جسد الأمة؟ فهل يرأب مرهم الثقافة التصدعات؟
[email protected]

https://tinyurl.com/yc7sfzhh

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"