عادي

تعرف إلى وقائع العام 1177 ق.م

20:14 مساء
قراءة 4 دقائق

القاهرة: «الخليج»

«300 ألف عام من الخوف» هذا هو العنوان الذي اختاره جمال أبو الحسن، ليرصد من خلاله قصة البشر من بداية الكون إلى التوحيد، في كتابه الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، واختار له أيضاً شكل الرسائل المتبادلة بينه وبين ابنته، في زمن العزل والجائحة، التي عمت العالم منذ ما يقرب من عامين، إنه يتوقف عند اللحظات المفصلية التي صنعت تاريخ الكون، ولعله يبدأ بالانفجار الكبير، بداية كل شيء على كوكب الأرض، بداية الزمن نفسه، ومع هذا الانفجار الكبير ولد «القلق» مع الإنسان.

يوضح أبو الحسن أننا نعيش أسرى لانعدام اليقين، كان هذا حالنا منذ 300 ألف سنة، ومنذ 65 مليون سنة اصطدم كويكب عملاق في حجم جبل إيفرست بالأرض، بسرعة تفوق سرعة الصوت 60 مرة، حرائق الغابات التي تولدت عن الانفجار جعلت الأرض تبدو ككتلة اللهب، والتسونامي الهائل اكتسح كل شيء أمامه، والنتيجة كانت انقراض 70% من المخلوقات، بما فيها الديناصورات التي عاشت على الأرض أكثر من 150 مليون سنة، أي أطول ألف مرة تقريباً من وجودنا على الأرض.

يمر أبو الحسن بصورة معمقة على كثير من الحوادث، التي صنعت أو دمرت جانباً من الكون، عبر عناوين عدة، ومنها «ما جرى في العام 1177 ق.م»، ويشير إلى أن حدثاً غامضاً ضرب حضارات المشرق من اليونان حتى أفغانستان، الوثائق المصرية تتحدث عن «شعوب البحر» جحافل من المهاجمين داهموا الحضارات الكبرى في الوقت نفسه، الانهيار حدث في كل مكان تقريباً، الحيثيون والمصريون كانوا يمثلون قطبي العالم القديم في ذاك الزمان، تعرضت الحضارة المصرية لتخريب وتدمير مروع، حضارة الحيثيين انهارت بالكامل، واندثرت إلى غير رجعة، حضارة أخرى في اليونان صارت أثراً بعد عين، اختفت من الوجود.

الحضارات كافة تلقت ضربات موجعة، أمم وشعوب طواها النسيان، العصر البرونزي الذي يمتد من عام 3000 ق. م حتى عام 1000 يسمى بهذا الاسم لأن البرونز صار يستخدم على نطاق واسع في صناعة الأدوات والسلاح، كان ثورة في التسليح، والمنطقة التي تعرف اليوم بالشرق الأوسط كانت مسرحاً لمنافسات وصراعات دامية بين الدول، إلى أن دمرت «شعوب البحر» النظام في الشرق الأدنى كله، وعرف ذلك العصر بانهيار العصر البرونزي، وما حدث في عام 1177 ق. م أن السفن التي كانت تجوب البحار توقفت فجأة، الموانئ ذوت، صناعات كانت تقوم على التجارة بارت وأصابها الكساد.

ما حدث كان شبيهاً بتوقف العالم بعد كورونا – كما يرى أبو الحسن – فعندما تتوقف المصانع في الصين يحدث كساد في أوروبا، وتغلق محال أبوابها في أمريكا وإفريقيا، حضارتنا المعاصرة تعيش على الاعتماد المتبادل بصورة لا سابقة لها في التاريخ، أزمة في العقارات في أمريكا أشعلت أزمة مالية عالمية في عامي 2007 و2008 واستمرت لسنوات، انهيار حضارة واحدة مثل سقوط قطعة دومينو تدفع القطع الباقية للسقوط.

يتساءل أبو الحسن: من أين جاء هؤلاء المهاجمون؟ تتحدث النصوص المصرية عن هجمات متتالية على موجتين يفصل بينهما ثلاثون عاماً، المهاجمون غير معروفين ويضمون قبائل مختلفة، اجتاحوا المتوسط كله من الغرب إلى الشرق، من اليونان إلى تركيا إلى قبرص ثم إلى مصر، الدمار كان شاملاً بعض الحضارات لم تفِق من الضربة أبداً، المصريون هم من أطلق عليهم «شعوب البحر».

هل كانت غايتهم تدمير الحضارة؟ أغلب الظن أن هذا لم يكن هدفهم، هناك دلائل على أن زلازل ضربت المنطقة من 1190 إلى 1185 ق. م، محتمل كذلك أن مجاعة ممتدة ضربت عدداً من هذه البلدان، ومع المجاعة يتولد اليأس، يصير الناس أكثر ميلاً للعنف، الفترة نفسها التي شهدت هجمات شعوب البحر شهدت تمرداً من عمال المقابر في مصر، رمسيس الثالث الذي هزم شعوب البحر، مات مقتولاً في مؤامرة بالقصر، تشي مومياؤه بآثار خنق بواسطة شيء يشبه الإيشارب الحريري الذي ترتديه النساء.

الحيثيون أيضاً تعرضوا لانتفاضات داخلية، وضاعت وحدة ملكهم، المجاعة كانت من الحدة أن حدت بملك الحيثيين أن يرسل في طلب النجدة من ألد أعدائه: المصريين، الأعجب من ذلك أن المصريين لبوا النداء وأرسلوا مساعدات غذائية ربما لإدراكهم حجم فداحة الكارثة على الجميع.

انهيار الحضارة له سمات محددة – كما يرى أبو الحسن – أهمها على الإطلاق الفوضى، الحضارة في جوهرها هي نوع من النظام الذي يضم أعداداً كبيرة، من البشر في وحدات كبيرة، تفكك النظام يعني انفراط العقد الرابط بين أجزاء التوليفة، والتحلل إلى وحدات أصغر، آية ذلك أن أغلب الحضارات – كما يؤكد أبو الحسن – لم يعد لها وجود الآن، قصة واحدة من أهم هذه الحضارات تُلقي ضوءاً كاشفاً على هذا التناقض العجيب، بين القوة العتيدة للمجتمعات المركبة، والهشاشة الكامنة في أعماقها.

https://tinyurl.com/kyyfmy3m

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"