مارلين سلوم

ما هي نسبة الحقيقة مما يعرضه أي فيلم مقتبس عن حياة أشخاص مروا بتجارب صعبة أو كتبوا سطوراً تركت بصمة في التاريخ أو تميزوا بموهبة أو ابتكار أو تحدٍ أياً كان نوعه؟ ليس هناك معيار أو نسبة محددة تفرضها السينما على صناع الأفلام، إنما تفرض عليهم فقط الإشارة إلى مصدر القصة ونسبها إلى الرواية الأصلية وبطلها الحقيقي أو مؤلفها. «ترو سبيريت» الذي أطلقته حديثاً شبكة «نتفليكس» فيلم حقيقي بنسبة كبيرة، يتدخل فيه الخيال ليصنع دراما إضافية أحياناً ولقطات عاطفية أحياناً أخرى، لكنه في المجمل يلتحم مع الحقيقة لينقل إلى الشاشة قصة أصغر بحارة نجحت في الإبحار وحيدة على متن قاربها حول العالم منطلقة من أستراليا عام 2009 وعائدة إليها سالمة في 2010. القصة بحد ذاتها تفرض تشويقاً عالياً وتمنح للمشاهدين دروساً وهي تستحق المشاهدة.

بالإرادة تتحقق المعجزات، هذه خلاصة ما يشعر به الجمهور بعد ساعة و49 دقيقة من المشاهدة الممتعة لفيلم بسيط وسلس، تمر أحداثه بتتابع منطقي، لكنها تقفز فوق مراحل مهمة تتمنى لو أن الكاتبة والمخرجة سارة سبيلان تعمقت فيها أكثر ومنحتنا فرصة الاطلاع عليها. إنها قصة البحارة الأسترالية جيسيكا واتسون التي تمكنت من كسر الرقم القياسي العالمي وفازت بلقب أصغر بحارة تجول العالم بمفردها عام 2009، حيث تمكنت ابنة ال 16 عاماً من الإقلاع بقاربها الشراعي «بينك لايدي» من ميناء سيدني في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2009 في رحلة كان من المفترض لها أن تستغرق 212 يوماً، لكنها تمكنت وعلى الرغم من كل الصعوبات التي واجهتها من إنجازها والعودة بعد 210 أيام.

سارة سبيلان التي تعاونت في كتابة هذا الفيلم مع كاثي رندال وربيكا بانر، معتمدة بشكل أساسي على المذكرات التي كتبتها جيسيكا واتسون وعلى الفيلم الوثائقي «210 أيام» الذي تناول تفاصيل من قصتها ورحلتها، تعمدت المرور سريعاً على نقاط مهمة في مسيرة هذه البطلة الشابة، مفضلة التركيز على الرحلة البحرية وما واجهته ابنة ال 16 عاماً من مخاطر، وهو ما زاد جرعة التشويق من جهة وأضعف الجانب الدرامي الروائي الذي كان من الضروري جداً أن يأخذ حقه لتعريفنا أكثر بالمراحل التي مرت بها جيسيكا منذ طفولتها وحتى قرارها دخول التحدي، وكذلك المرور الهامشي على الاعتراض الذي واجهته جيسيكا وعائلتها من قبل الصحافة والجهات الرسمية ومنظمات حقوقية باعتبارها طفلة لا تملك اتخاذ مثل هذا القرار المصيري، وأنها أصغر من أن تتحمل رحلة حول العالم بمفردها وبقارب صغير.

البداية

المخرجة ارتأت أن تحكي قصة جيسيكا وتعيدنا إلى بداية شغفها بالإبحار عبر مقتطفات تطل بين الحين والآخر نرى فيها الصغيرة جيسي (أليلا براون) تقرر من تلقاء نفسها تحطيم الرقم القياسي الذي حققه الألماني جيسي مارتن الذي حصل على لقب أصغر بحار يجول العالم منفرداً يوم كان في الثامنة عشر من عمره. استندت إلى مذكراته وصممت على خوض التجربة بدعم من أسرتها ومدربها بن (كليف كورتيس) صاحب الخبرة والحائز جوائز في هذا النوع من التحديات البحرية. طبعاً لم تلتزم المخرجة حرفياً بتفاصيل كل الشخصيات، فجعلت المدرب بن غامضاً وسريع الغضب، عرف فشلاً في حياته تسبب له في عقدة جعلته يبتعد عن الإبحار ويرفض في البداية الموافقة على تدريب جيسيكا، بينما المدرب الحقيقي بروس آرمز ليس كذلك ولا يخبئ مأساة أو عقدة في حياته.

في بداية الفيلم نرى جيسيكا (تيغان كروفت) تبحر وحيدة في قاربها وفجأة تصطدم بشاحنة بضائع ضخمة حادت عن مسارها، تتأذى قليلاً هي وقاربها، لكنها تعود سالمة؛ هذه كانت رحلة تجريبية قامت بها وعقدت بعدها مؤتمراً صحفياً فواجهت أسئلة محرجة من الإعلاميين حول المغامرة غير المحسوبة، وعدم تحمل أهلها مسؤولية حماية ابنتهم الصغيرة والمجازفة بحياتها وسلامتها دون أي مبالاة. والدها روجر (جوش لوسون) هو الأكثر تردداً، ففي داخله خوف ورغبة في منع ابنته من المغامرة، لكنه يرضخ لرغبتها ووسط تشجيع كل أفراد العائلة (الأب الحقيقي لجيسيكا لم يكن متردداً؛ بل معارضاً صراحة للفكرة من أساسها)، والدتها جولي (أنّا باكوين) وشقيقتها الكبرى إميلي (بريدجت ويب) والتي كانت أول من علمها ركوب القارب الشراعي وشجعتها، وشقيقها توم (ستايسي كلاوزن) وشقيقتها الصغرى هانا (فيفيان تيرنر).

الرحلة

أجمل ما في الفيلم هي الرحلة التي تقوم بها جيسيكا، التصوير، الأمواج، معاناتها من الوحدة، تقلباتها النفسية بين الإحساس بالقوة والتصميم والعزيمة ثم الشعور الذي ينتابها بالخوف والملل والوحدة القاتلة والتشنج بسبب عدم المشي والتنقل البسيط في المركب، جنون الطبيعة في العواصف والسماء الرمادية المخيفة والأمواج الغاضبة، يقابلها جمال للطبيعة مبهر وسماء مرصعة بالنجوم كأنها ألماس وأسبوع من الركود في مكان بدت المياه فيه كالمرآة لا تتحرك، حيث لا رياح ولا نسمات ما عرقل رحلة الفتاة ومنعها من التقدم؛ إذ كيف يتحرك الشراع بلا رياح؟ ما يشجعها ويمدها بالقوة، هو التواصل مع مدربها وأسرتها، كذلك الرسائل التي تردها من متابعيها حول العالم على صفحتها الإلكترونية التي أنشأتها لها إميلي لتنقل عبرها جيسيكا يومياتها وتفاصيل رحلتها.

عنوان الفيلم يعني روح حقيقية أو روح شجاعة، والرسالة التي شددت عليها المخرجة أن الروح الشجاعة تدفع بالإنسان إلى تحقيق أحلامه، وختمت على لسان البطلة في حفل استقبالها في ميناء سيدني؛ حيث حضر رئيس الوزراء و80 ألف شخص. إنها فتاة عادية غير مميزة، لكنها آمنت بحلمها وأصرت على تحقيقه.

نقطة ضعف

من النقاط المهمة في الفيلم، والتي لم تعرف المخرجة سارة استغلالها، هي أول نقطة ضعف لدى جيسيكا «عسر القراءة»، والتي دفعتها للتعلم من المنزل، وتسببت لها في مشاكل حين تتوتر أثناء الإبحار، للأسف مرت عليها سريعاً، علماً أنها أول تحد واجهته الطفلة بنجاح، وهو ما شجع كثيراً من الأطفال الذين يواجهون نفس المشكلة على مراسلتها، لأنها شجعتهم، فقرروا اللحاق بأحلامهم والسعي لتحقيقها، كانت النموذج والأيقونة لكثير من الأطفال تعلموا منها الشجاعة ومواجهة الخوف ونقاط الضعف.

مغامرة جميلة

«ترو سبيريت» مغامرة واقعية جميلة، تسارعت أحداثها أحياناً وتباطأت في مراحل، قللت من عمق الفيلم، فجاء عائلياً مسلياً أكثر منه مغامرات و«أكشن»، في حين أن ما عاشته البطلة التي واجهت خلال رحلتها البحرية 7 عواصف، منها ما كاد يقضي عليها وتسبب في غرقها نحو أربعة أمتار تحت الماء قبل أن تنهض مجدداً بمعجزة، قادر على تشكيل فيلم يرتقي إلى مستوى الأفلام الكثيرة التي شاهدناها عن مغامرات في البحر وعن صراع البقاء وسط الأمواج العاتية، على غرار فيلم توم هانكس «كابتن فيليبس» مع فارق في المضمون طبعاً.

[email protected]