مأسسة الأنسنة في منظور سلطان

00:06 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. صلاح الغول *

قبل أكثر من ثلاثة أشهر، استمتعت بمتابعة مقابلة مطولة لمحمد القرقاوي وزير شؤون مجلس الوزراء، في بودكاست فنجان على إذاعة ثمانية، وتحدث في أحد محاورها حول التحديات التي تواجه الحكومات المعاصرة. وأشار إلى أن أهم هذه التحديات يتعلق بأن فترات الإغلاق التي تزامنت مع كورونا أدخلت التعامل مع الآلة في جميع مناحي حياتنا.. المدرسة.. العلاج.. الاجتماعات عن بعد وتقليل التكاليف. وشدد القرقاوي على أن عالم ما بعد كورونا يتحتم عليه وضع الخطط والاستراتيجيات لأنسنة المجتمع ومأسسة هذه الأنسنة.. فتركيب البشرية قائم على الإنسانية.. ومن الضروري أن تقوم الحكومات بمعالجة هذا التحدي حتى نتجنب وجود جيل آلي بعيد عن الإنسانية.

وقد قادني ذلك، وبمناسبة عيد جلوسه ال51، أن أسلط الضوء على منظور صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في مأسسة وإعادة مأسسة العلاقات الإنسانية في السياسة والمجتمع؛ وهو البعد الذي لم يوليه المعلقون والكُتاب حقه من التعليق والتدقيق، على الرغم من تناولهم أبعاداً متعددة ومتنوعة من الشيخ سلطان ونمط حُكمه، وإنجازاته على المستويين المحلي والوطني وغيرها.

صحيح أن ثلة من المعلقين كتبوا عن بعد العلاقات الإنسانية في منظور الشيخ سلطان وسلوكه، إلا أن هذا أبعد عما أرمي إليه، وهو كيف حاول الشيخ سلطان مأسسة هذه العلاقات، بدءاً من الأسرة وانتهاء بالمجتمع كله، ثم إعادة مأسسة العلاقات الإنسانية في إدارة الحُكم والمجتمع في ظل الثورة الرقمية والثورة الصناعية الرابعة. وقد تشرفتُ بلقاء الشيخ سلطان في مدينة كامبردج البريطانية، في 2007، عندما كان زائراً لجامعتها العريقة لإبرام بعض الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مختلف المجالات العلمية والتنموية والمجتمعية لجزء من رؤيته المستقبلية للأنسنة.

وقد أوضح الشيخ سلطان منظوره في مأسسة العلاقات الإنسانية في الإدارة والمجتمع، في لقاء تلفزيوني عام 1987، ركّز فيه على شرح رؤيته للأسرة مؤسسةً. والحقيقة أن الشيخ سلطان عمد إلى تعميم نمط مؤسسة الأسرة على أسلوبه في الحُكم؛ حيث يدير شؤون مواطني إماراته بأسلوب رب الأسرة، أو الوالد. وليس غريباً أن يُطلق على الشيخ سلطان «الوالد»، الذي يحب أداء دور الشيخ العربي، الأب لشعبه. بيد أن الشيخ سلطان اعتصم أكثر ما اعتصم بجانب الواجبات في هذه العلاقة؛ بمعنى واجبات الحاكم تجاه مواطنيه من التواصل معهم، والوصول إليهم، والإنصات إليهم، وتوفير حياة كريمة لهم، وتوفير أطر مؤسسية عديدة للعلاقات الاجتماعية. وتماثل واجبات الحاكم تجاه شعبه، بهذا المعنى، واجبات الأب تجاه أبنائه من الاعتناء بشؤونهم، والاهتمام بمشاكلهم. ومن ثم، فإن الولاء والطاعة؛ بل والحب، للحاكم كلها تأتي طوعياً بعد ذلك.

وتنبع أهمية مأسسة الأنسنة في منظور الشيخ سلطان من كون «الإنسان الإماراتي» يقع في قلب فلسفته التنموية؛ حيث تشير كلماته وأفكاره في مناسبات مختلفة إلى امتلاكه قناعة راسخة ومتجذرة بأن تنمية الإنسان هي جوهر التنمية الشاملة، وأن الإنسان هو الثروة الحقيقية للوطن، الذي لابد من تهيئة كل الظروف لرفع مستواه ومساهمته في عملية البناء. ويؤمن سموه بأن العنصر البشري هو أغلى ما تملك الدولة، وهو أداة التنمية وهدفها في الوقت نفسه.

ولذلك، يؤمن الشيخ سلطان بأن الاستثمار في الإنسان هو الأهم في سياق التنمية الوطنية؛ ذلك أن العائد المرجو من هذا الاستثمار ينعكس بصورة مباشرة على مستقبل الدولة وعلى قطاعاتها المختلفة. وبقدر ما يكون هناك اهتمام بالعنصر البشري في تكوينه وتأهيله وتوجيهه نحو الغايات العليا، يكون الغد مشرقاً.

وثمة أمثلة عديدة على جهود سلطان في مأسسة الأنسنة في المجتمع، أهمها على سبيل المثال لا الحصر- مهرجان الطفل، أندية الأطفال والسيدات والفتيات والشباب، أندية (أصحاب الهمم)، برنامج معالجة الديون، برنامج التوظيف داخل المدن والمناطق، إنشاء جامعة الشارقة وفروعها في مدن ومناطق الإمارة، الدعم الاجتماعي ومعالجة القضايا الأسرية، إنشاء مجالس لشؤون الضواحي والقرى كأماكن لملتقى الأهالي والمناسبات الاجتماعية، مجلس شورى الشباب والأطفال. ولعل آخرها تقليص أيام العمل الأسبوعية في الإمارة.

باختصار فإن فكرة إعادة مأسسة الأنسنة في منظور الشيخ سلطان قامت على أن العلاقات الإنسانية كانت مؤسسة في إطار الأسرة وجماعة الأصدقاء والمدارس ودور العبادة والنوادي الاجتماعية...إلخ. ثم جاءت الثورة الرقمية والثورة الصناعية الرابعة لتنزع أبعاداً كثيرة وتنقص أهمية المؤسسات الإنسانية في المجتمع. ولذلك كان الهدف هو إعادة مأسسة هذه العلاقات الإنسانية.

بعبارة أخرى، ما أشار إليه القرقاوي، كأحد التحديات المستقبلية للحكومات، استشرفه الشيخ سلطان ومأسسه قبل أكثر من 35 عاماً فكان له ما أراد.

[email protected]

* متخصص في العلاقات الدولية والقضايا الجيوسياسية

https://tinyurl.com/3d7arbcd

عن الكاتب

كاتب متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الجيوسياسية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"