الشعوب.. والرّعونة السياسية

01:12 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. ناصر زيدان

فتحت المآسي والويلات التي تعيشها بعض الشعوب، الباب أمام نقاش ثقافي وسياسي وعقائدي، وأنتجت إشكالية لا يمكن تجاهلها، بل لا بد من التوقف عندها، والعمل على إصلاح ما أمكن من جوانبها الخبيثة التي تزيد من قساوة العيش لجمع كبير من الناس، من دون أن يكون لهؤلاء ذنب في أسباب هذه القساوة، لكنهم يتحملون النتائج السلبية لرعونة الحاكم أحياناً، أو لمفاسد قواعد الحكم، أحياناً أخرى.

أوجدت الاتفاقيات الدولية مجموعة كبيرة من القواعد القانونية العامة، وأرست بعض الأعراف المُلزمة منذ مؤتمر وستفاليا الذي أنهى الحروب الأوروبية البينية في عام 1648، حتى اليوم؛ لكن هذه الاتفاقيات وتلك الأعراف لم تُحقق العدالة، فما زالت خاضعة لمعايير موازين القوى العالمية أحياناً، أو لاستبداد عقائدي أو ميثولوجي مارسه بعض الحكام، من دون أن يكون أمامهم روادع ملزمة تمنعهم من التصرف بما ليس لهم، أي بما هو حق للناس في العيش بكرامة وبأمان. وقد أبدع الكاتب الروسي الشهير دوستويفسكي في رواية «الفقراء»، في وصف حالة الظلم والقهر التي يعيشها بعض الناس؛ عندما قال: «لو كانت ولادتي مرهونة بإرادتي لرفضت الوجود في ظل ظروف قاهرة إلى هذا الحد».

لا يمكن اعتبار الوقت الراهن من عمر البشرية أنه مثالي، برغم أن الكثير من المفكرين – ومنهم الأمريكي من أصل ياباني فوكوياما – اعتبروا أن سقوط الاتحاد السوفييتي السابق أوصل البشرية إلى نهاية تاريخ الصراع الأيديولوجي، ووضع العالم في واحة من الاستقرار سيتقلّص فيها الظلم والاستبداد، لمصلحة ليبرالية رحيمة واعدة.

لكن ذلك لم يتحقق بالفعل، وها هو العالم أمام أزمات قد تكون أخطر من أزمات الماضي، ومجموعات كبيرة من الناس في أكثر من قارة، بدأت تشعر باليأس من تحديات المستقبل، ومنها من يعيش حاضراً مؤلماً، لا يليق بالحياة البشرية.

من المؤكد أن بعض أسباب الصعوبات القائمة في دول عدة؛ ناتجة عن عوامل طبيعية، خصوصاً منها الزلازل والسيول والإعصارات الكبيرة التي تنامت في الوقت الراهن، أو أنها بسبب التكاثر السكاني السريع، وعدم توافر الموارد الكافية لتأمين سُبل عيش لكل سكان المعمورة الذين زاد عددهم على 8 مليارات نسمة. لكن المؤكد أيضاً أن رعونة ممارسة الحكم في عدد من الدول، كما الفوضى العالمية الهدامة؛ ساهمتا في تراجع منسوب الرفاه عند بعض الشعوب، وأنتجتا مآسي فظيعة لا يتحملها الضمير الإنساني عند شعوب أخرى.

أثبتت التجارب أن الحكم الرشيد الذي يستند إلى القواعد الآدمية في ممارسة السلطة؛ يساعد في تخفيف الويلات عن الناس مهما كبُر حجمها، ويؤمن بيئة مناسبة للعيش، بصرف النظر عن الإمكانات المالية المتوافرة في الدولة. بينما رعونة الحاكم واستبداده تقف وراء الكمّ الأكبر من الويلات والصعوبات التي يواجهها الناس، وأحياناً يحكم الرشيد والمستبد تحت ذات المظلّة من الشعارات الوطنية والإنسانية، وربما بغطاء من القوانين المرعية نفسها. لكن الواضح أن الحاكم المستبد يعمل على خلق الفوضى في البلاد للادعاء بقدرته على ضبطها، وتوفير قسوة ويلاتها على الناس، بينما رعونته في ممارسة السلطة هي التي تدفع المبدعين والعباقرة لمغادرة البلاد، كما تدفع الرساميل النافعة للخروج منها، والفوضى تقود إلى المراوغة والتأجيل والعرقلة، وحينها لا فرق أن يموت الناس بواسطة زلزال مُدمر أو بالاختناق، أو بالترهيب.

الناس في العديد من دول العالم – لا سيما في بعض شرقنا المُعذب – ضحايا للحروب، وللعنف، ولسياسة أنظمة أعطت أولوية للمقاربات الميثولوجية الخفية. وبعض الأنظمة لا تُجنِّد نفسها لخدمة الناس، بل تعمل بكل قوتها لاستمرار فئة، أو أشخاص في تولي السلطة من دون وجه حق، وأحياناً لتنفيذ أجندات غربية مرتبطة بمشاريع تحالفية خارجية تخفي طموحات عنصرية وشوفينية، كنا اعتقدنا أنها تلاشت مع التطورات التي حصلت في العالم منذ بداية القرن، لاسيما عندما علت شعارات التأكيد على مبادئ سيادة الدول على أراضيها، وأيضاً من خلال الحراك الشعبي الواقعي - والافتراضي عبر وسائل التواصل – والهادف لصيانة الحريات العامة ومعايير حقوق الإنسان في مختلف دول العالم.

بعض أماكن العالم لم تعُد صالحة للعيش بسبب الرعونة السياسية والاضطرابات، ويزداد فيها الجنون والانفصام.

والعيش الذي خلقه الله كان من أجل ما هو جيد وجميل، وليس العكس.

https://tinyurl.com/5h2vxnhd

عن الكاتب

دكتوراه في العلوم السياسية والقانون الدولي العام.. أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية.. له 10 مؤلفات وعشرات الأبحاث والمقالات والدراسات في الشؤون الدولية..

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"