القاهرة: «الخليج»
آلان باديو مفكر نسقي ومنظر سياسي راديكالي وناقد فني وروائي ومسرحي ملتزم، وهو من أكثر الفلاسفة المعاصرين شهرة وانتشاراً في العالم، وبعض أعماله مترجم إلى ما يناهز عشرين لغة، لكن ميزته أنه يعتبر كل ذلك بمثابة قواعد اشتباك مع وضع قائم، وليس ترفاً فلسفياً، كل ما يكتبه أو يقوله هو نضال كوني والتزام يومي شرس، وبذلك مثل على الدوام حالة فلسفية مثيرة للجدل، وإن كانت طريفة ومعقدة في الفلسفة الفرنسية المعاصرة، إذ ينظر إليه أعداؤه باعتباره يسارياً غريباً، يحلم بالدمار، ويقدم نفسه على أنه مثقف عمومي فات وقته، ولا يتردد في الدفاع بشكل غير مسؤول أخلاقياً وسياسياً عن مستقبل الشيوعية، دون أن يعتذر عن ماضيه الماوي.
لأول وهلة يبدو مجرد ذكر اسم باديو في الأدبيات الفرنسية مثيراً للإزعاج في الأوساط التي تعودت أن تمتهن الفلسفة بعيداً عن أي اشتباك مؤلم ومزعج مع الواقع القائم، إذ كتب أحد الدارسين كتاباً عنه بعنوان «من يكون آلان باديو؟ حتى ننتهي من القرن العشرين» المقصود هنا تحقير وتنكير الشخص، وكان هذا العنوان مستمداً من عنوان كتبه باديو عام 2007: «إلى أي شيء يشير اسم ساركوزي؟» فهو الذي دشن هذا النوع من الاستهزاء بالاسم.
هذا الحضور الاستفزازي – كما يقول فتحي المسكيني في صدر ترجمته لكتاب باديو «بيان ثان من أجل الفلسفة» – جعل اسم باديو يتحول إلى هدف للرماية الفلسفية، لقد صار على اليساريين الراديكاليين، وربما على أتباعه وتلاميذه، حتى يواصلوا معركة الديمقراطية أن يكتبوا ضد باديو، أو في خصومة معه، لكن هذا الجو الخلافي لم يمنع من تكريس باديو باعتباره فيلسوفاً صار أكثر فأكثر مستقر الملامح، ومتميز الطرح، بحيث يمكن التفرغ للتعرف النسقي والمفصل على مسالك تفكيره، بل ومقارنته مع أبناء جيله: التوسير، دريدا، دولوز، جيجيك، بل حتى مع بعض الكلاسيكيين.
- روائي
على الرغم من أن أغلب أعماله فلسفية بشكل حاد، فإن باديو نشر أيضاً جملة لافتة من الكتابات النقدية عن الشعر والمسرح والسينما والمحاولات السياسية، كما ألف ثلاث روايات وثماني مسرحيات، وعلى الرغم من أنه ألف ثلاثة كتب، حملت عنواناً عاماً واحداً هو «الكينونة والحدث» فهي في الواقع تمثل ثلاث مراحل فلسفية مختلفة من مسيرة باديو، حيث يقدم في كل مرة حصيلة نظرية مركبة عن جملة من التجارب والحدوس والمفاهيم والمسائل التي طورها بشكل مفصل في أعمال صغيرة ومنفصلة ومتوازية، لكنها متضافرة على نحو غير مرئي عادة.
نشر باديو نصه الأول «بيان من أجل الفلسفة» سنة 1989 وكما يقول: «لم يكن الأمر يدعو إلى البهجة، لقد شهدنا دفن السنوات الحمر، التي تلت مايو 1968 بسنوات الرئيس ميتران التي لا تنتهي، وغطرسة الفلاسفة الجدد، وحقوق الإنسان المقرونة بحق التدخل بوصفه الطريقة الوحيدة للشكر، والقلعة الغربية المتخمة التي تعطي دروساً أخلاقية للجوعي في الأرض، والانخساف المزري للاتحاد السوفييتي الذي أدى إلى تعليق الفرضية الشيوعية، والصينيين الذين عادوا إلى عبقريتهم في التجارة»، لقد كان ذلك النص الأول عن «بيان من أجل الفلسفة» مثل مذكرات الفكر المكتوب في سرداب.
بعد عشرين سنة من ذلك التاريخ يرى باديو أنه من الصعب أن ينجح المرء في النزول إلى درك أسفل في ترتيب السلطة (يقصد سنوات حكم ساركوزي) وفي ترتيب وضعية الكوكب والقوانين الخسيسة والأعمال الوحشية النظامية والجدران والأسلاك الشائكة المخصصة فقط لحماية الأغنياء من أعدائهم الطبيعيين، الذين لا حصر لهم، لذا كان الأمر في حاجة إلى بيان ثان، هذا البيان يقيم صلة مع المجلد الثاني من كتاب «الكينونة والحدث».
هو يقول: «منذ عشرين سنة كانت كتابة بيان تعني أن نقول إن الفلسفة شيء مغاير تماماً لما يقال لنا عنها، حاولوا إذن أن تروا ما لا ترون، أما اليوم فأن نكتب بياناً ثانياً، هو بالأحرى أن نقول: أجل إن الفلسفة يمكن أن تكون ما ترغبون منها أن تكون، حاولوا أن تروا فعلاً ما ترونه».
- إضاءة
«آلان باديو» فيلسوف فرنسي ولد في الرباط بالمغرب عام 1937 من أب مقاوم للاحتلال بعامة، سواء كان ذلك الذي مارسته فرنسا ضد المغرب، أو الذي قامت به ألمانيا ضد فرنسا، وبهذا المعنى هو يرتبط بالعالم العربي من الجهة الأخرى، من الغضب ضد الاستعمار، مهما كان شكله، لأسباب غير قومية، لكن أممية.