أمانة العرض وصاحب القرار

00:44 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. مصطفى الفقي

علمتني خبرات حياتي في أروقة صنع القرارات المختلفة على مستوياتها المتعددة أن طريقة العرض على صاحب القرار لها أهمية بالغة فهي التي توحي أحياناً -ولو بشكل غير مباشر- بنوعية القرار الذي يجب اتخاذه، لذلك، فإن الأمر يحتاج إلى قدر كبير من المصداقية ودرجة عالية من الشفافية مع الصدق المطلق، وأتذكر أنني لم أتستر على خطأ لصديق ولم أقدم دليلاً كاذباً ضد عدو، وأتذكر أيضاً أنني عندما توليت عملاً بالغ الحساسية شديد التأثير آليت على نفسي أن أكون متجرداً حتى النخاع، صادقاً إلى ما لا نهاية، شخصاً يتحمل مسؤولية الكلمة التي يقولها حتى وإن مست أقرب الناس إليه.

فالوزير الراحل سامي شرف أبلغ الرئيس عبد الناصر بمحاولة بعض صغار الضباط في عهده كتابة مشروع للتغيير الثوري وكانوا لا يزالون حديثي العهد بالحياة العسكرية، وأدى ذلك إلى اعتقال شقيق له فترة من الوقت لأن أمانة العرض تستوجب البعد عن التعميم في جانب والبعد عن الاستثناء في جانب آخر. وأتذكر عندما توليت عملي إلى جانب الرئيس الراحل مبارك أن الأستاذ محسن محمد رئيس مجلس إدارة دار التحرير وهو مثقف كبير ومؤرخ أيضاً قال للرئيس: لقد جئتنا في مكتبك بشخص له ميول ناصرية، حيث تربى في أروقة منظمة الشباب وهو معروف بتوجهاته التي قد تختلف معك، وأنا لدي مشكلات في صحيفة الجمهورية مع رئيس تحريرها الأستاذ محفوظ الأنصاري وأخشى أن يكون مصطفى الفقي منحازاً لصديقه.

والغريب أنه هو نفسه الأستاذ محسن محمد الذي قال للرئيس الراحل بعدها بشهور قليلة: لقد أحسنت يا سيادة الرئيس الاختيار في سكرتيرك للمعلومات أنه محايد بشكل مبالغ فيه وينقل إليك الحسنة والسيئة وينحي جانباً مشاعره الشخصية أو انتماءاته السياسية، فصاحب القرار في النهاية هو الذي يتحمل مسؤوليته ومن العبث أن يرفع إليه موضوع لا يستوفي دراسته أو قضية لا يبدو كل أطرافها متساوون في إبداء آرائهم لأن صاحب القرار على كل المستويات هو المخول باتخاذ القرار النهائي وفق رؤيته. ولذلك فإنني أبدي الملاحظات الآتية:

*أولاً: إن طريقة العرض وأسلوبه قد يؤثران في توجه صاحب القرار خصوصاً إذا كانت هي المرة الأولى الذي يعرض فيها الموضوع عليه. فمسؤولية العرض الأول أكثر خطورة، لأنها تكّون لدى صاحب القرار الرأي البادئ، وأن المعلومة التي تصل أولاً يكون لها وضع خاص في الذاكرة البشرية وفي الذهن الإنساني.

*ثانياً: إن الذين يحيطون بصاحب القرار يجب أن يكونوا دائماً على قدر المسؤولية ولا ينالون ثقة صاحب القرار إلا بالتجربة الطويلة والخبرة المستمرة مع فطنة غريزية لدى من يتحمل مسؤولية القرار ويدرك آثاره على الغير، وقد يعرض البعض على صاحب القرار أمراً غير مدروس على نحو كافٍ ولم يتم استيفاء كل مصادره من كافة الاتجاهات، وهذه جريمة لأنها تحجب عن صاحب القرار معلومة ناقصة كان يمكن أن تعينه على الموازنة بين أبعاد المسألة الواحدة، وقد يحاول البعض تزيين الصورة أمام صاحب القرار لإرضائه.

ولا يخالجني الشك في أن رحلة وزير الحربية الأسبق شمس بدران إلى موسكو قبيل حرب 1967 قد جاءت بمعلومات مبالغ فيها عن النوايا السوفييتية حينذاك في دعم مصر حال وقوع اشتباك عسكري مع إسرائيل، وهذه نقطة مهمة للغاية.فالانتقاء التحكمي من مسؤولي المعلومات إلى صاحب القرار يعتبر جناية كبرى وتدليساً حقيقياً سواء تم بوعي أو بغير وعي أو حتى بعفوية ودون قصد؛ إذ لا بد أن يلم صاحب القرار بأطراف الواقعة بخيرها وشرها وأن تصل إليه الحقيقة ناصعة واضحة دون تزييف أو تجميل أو إخفاء.

*ثالثاً: هناك فرق بين الخبر العاجل والخبر المهم، فقد يكون هناك خبر أقل أهمية من غيره، لكنه يحتاج إلى قرار لحظي بسبب التوقيت كما قد يكون هناك خبر له أهمية كبيرة، لكنه يحتمل الإرجاء، لأنه يتصل بقضية مستمرة وقد لا يؤثر عنصر الوقت فيها، وفي هذه الحالة يمكن تأجيله حتى يستوفي عناصر دراسته ويتم استيعاب كافة جوانبه، فالتفرقة بين المهام والعاجل تفرقة مفهومة وتحتاج إلى فهم سريع لمصفوفة المعلومات الواردة من الجهات المختلفة.

هذه بعض خواطري أكتبها دون مناسبة محددة بذاتها، لكنها بديهيات رأيت أن أذكّر نفسي بها والوطن يحاول أن يحلق إلى أعلى على الرغم من المعوقات والعقبات ومحاولات تطويق مصر العصية على السقوط دائماً وأبداً.

https://tinyurl.com/y4nc23bv

عن الكاتب

دبلوماسي وباحث وأديب ومفكر ومؤرخ وكاتب، يمتلك خبرة واسعة في المجالات السياسية والثقافية ألَّف 36 كتابًا تسلط الضوء على بعض القضايا مثل الإصلاح السياسي والفكري القضاء على كل أشكال التمييز ضد الأقليات، والوحدة العربية والتضامن

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"