أوصال الشعر وأنياب التواصل

00:04 صباحا
قراءة دقيقتين

هل يجوز أن يركض المرء خلف ألف أرنب في آن؟ المثل الفرنسي لم يتجاوز المئة أرنب. ما يُنشر في وسائط التواصل عدد النجم والحصى والتراب. هل ينبغي لقلم يحترم الحرف والكلمة أن يتتبّع السقطات والعثرات في وسائل التواصل، وهي أصلًا أشباه نصوص ولا نصوص، خواتم حديد بلا فصوص، وهراء مرصوص؟ كان حريّاً بالقلم ألاّ يهدر قيمة النقد الأدبي في ما ليس أهلًا له، وبيت شاعرنا سبق المثل الفرنسي: «تكاثرتِ الظباء على خراشٍ.. فما يدري خراشٌ ما يصيدُ».
القضية ليست إلى أين وصلت آثار غياب الضوابط؟ فالمأساة هي ما انحدر إليه مستوى سلامة تذوق العربية لدى الكثيرين من العرب، والقرار السحيق الذي وقع فيه الإحساس بجمال موسيقى لغتنا. رحم الله آذان الجاهليين والقرون الإسلامية، التي لم تكن للناس فيها ابتدائيات وإعداديات وثانويات وجامعات، ففي تلك الجاهلية التي لم تكن فيها تربية موسيقية أكاديمية في معاهد متخصصة، أبدع الذوق الموسيقي العربي المرهف ستة عشر إيقاعاً باح فيها بخلجات مهجته. علميّاً لا يمكن اختراع هذا العدد من الأوزان والنسج عليها في سنين معدودات أو حتى عقود ممدودات. لا يمكن اختراع منظومة مقامات موسيقية في مدّة محدودة. إذا أتاك أحد وادّعى مثل هذا البهتان، فقل له «حدّثِ العاقل بما لا يليق، فإن صدّقتَ أنت فالمصيبة أعظم».
اليوم، بعد كل هذه القرون، تصاب بصدمة صادمة، ودمغة كادمة، وأنت ترى مئات ألوف العرب يتهافتون باللايكات يوشّحون بها نصّاً بدايته ثلاثة أبيات من البحر البسيط «مستفعلن فاعلن مستفعلن فعِلُ»، وباقيها يحاكي خمسة أبيات، ولكن لم يستقم فيها بيتٌ وزناً، عدا شطراً واحداً. هذا دليل على أن ناقلها سطا على الأبيات الثلاثة وأضاف من عنديّاته كلاماً فيه إشادة بالخلُق الكريم في تراكيب ركيكة.
استعراض سريع للمكسّرات: «أو عاهدوا عهداً كان الوفاء به.. حقٌ وهم دوماً للحق أربابُ». «ووعودهم شرفٌ وكأنّ كلمتهم.. عقدٌ وميثاقٌ صاغته كتّابُ»، كفى الكتّاب فخراً أن يُصرّف الفعل صاغ على طريقة جمع غير العاقل. الآن أمامك تحويلة إلى خارج العربية: «لا يعرفون الشرّ قيد أنملةٍ.. هم دائماً أبداً للخير أسبابُ». هذا مثل قولك هؤلاء هم أسباب ركاكة التعبير. «أولئك الأخيار قد طاب منزلهم.. ميراثهم برٌّ خُلُقٌ وآدابُ». برّ خلق وآداب، مثل قول الإيرانيين عن الزرافة: «جمل بقرة نمر»، كناية عن العنق والحافر ولون الجلد.
لزوم ما يلزم: النتيجة النسبية: على غرار شوقي: «الشعر من خيره في خير عافيةٍ.. والشعر من شرّه في مرتع وخمِ». منتهى الوخامة.
[email protected]

https://tinyurl.com/mryh7py4

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"