جبر الخواطر عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خلق إسلامي عظيم، يدل على سمو نفسه، وعظمة قلبه، ورجاحة عقله. بهذا الخلق، يجبر النبي نفوساً كُسرت، وقلوباً فطرت، وأرواحاً أزهقت، وأجساماً مرضت.
وجبر الخواطر عبادة وطاعة لله، تعالى، وجبر النفوس من الدعاء الملازم لرسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان يقول بين السجدتين «اللهم اغفر لي وارحمني واهدني واجبرني وارزقني». و«جبر الخواطر» صفة من صفات الأنبياء، فهم يتسمون بحسن المعاملة وطيبة القلب. وسُئل الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن أكثر الأفعال التي يدخل بها الإنسان الجنة، فقال: «التقوى وحسن الخلق»، وجبر الخاطر من حسن الخلق، وصفة إسلامية وإنسانية عظيمة، ولا تصدر إلا من صاحب القلب الطيب والأخلاق الحسنة، فهي مداواة للقلب.
مات والد نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، قبل مولده، ثم فقد أمه وهو في سن السادسة، وتربى في كنف جده عبد المطلب، ثم عمه أبي طالب، وبذلك شاء الله تعالى أن يتجرع مرارة اليتم ليكون خير مواسٍ لكل يتيم من أمته.
يقول الكاتب أحمد خليل جمعة في كتاب «نساء الأنبياء»: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من أوائل الذين لمسوا آلام اليتم، ومن ثم اهتم، صلى الله عليه وسلم، به اهتماماً بالغاً، من حيث تربيته ورعايته ومعاملته، وضمان سبل العيش الكريمة له، حتى ينشأ عضواً نافعاً، ولا يشعر بالنقص عن غيره من أفراد المجتمع، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً»، رواه البخاري.
وجعل، صلى الله عليه وسلم، الإحسان إلى اليتيم وجبر خاطره علاجاً لقسوة القلب.
ومن قصص نبينا الكريم، صلى الله عليه وسلم، في جبر خاطر الأيتام أنه خرج يوماً لأداء صلاة العيد، فرأى أطفالاً يلعبون، لكنه رأى بينهم طفلاً يبكى وعليه ثوب ممزق، فاقترب منه، وقال: «مالك تبكي ولا تلعب مع الصبيان»؟ فأجابه الصبي: أيها الرجل دعني وشأني، لقد قُتل أبي في إحدى الحروب الإسلامية، وتزوجت أمي، فأكلوا مالي وأخرجوني من بيتي، فليس عندي مأكل ولا مشرب ولا ملبس ولا بيت آوي إليه، فعندما رأيت الصبيان يلعبون تجددت أحزاني، فبكيت على مصيبتي. أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بيد الصبي، وقال له: «أما ترضى أن أكون لك أباً وفاطمة أختاً وعلي عماً والحسن والحسين أخوين؟ فعرف الصبي اليتيم أن هذا الرجل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: كيف لا أرضى بذلك يا رسول الله، فأخذه عليه الصلاة والسلام إلى بيته، وكساه ثوباً جديداً، وأطعمه وطيّب خاطره، وبعث في قلبه السرور، فركض الصبي يلعب مع الصبيان، فقالوا له: لقد كنت تبكي، فما الذي جعلك تكون مسروراً. فقال اليتيم: كنت جائعاً فشبعت، وكنت عاريا فكُسيت وكنت يتيماً فأصبح رسول الله أبى، وفاطمة الزهراء أختي، وعلي عمي، والحسن والحسين إخوتي.
ويوضح الشيخ محمد صديق المنشاوي في كتاب «أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم»، ما دعا إليه الإسلام من حث المسلمين على جبر الخواطر، خاصة خاطر اليتامى، فالقرآن ينهى عن قهر اليتيم، في قوله تعالى: «فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ»، سورة الضحى: الآية 9.
ومن التوجيهات النبوية لجبر خواطر اليتامى ورعايتهم قوله، صلى الله عليه وسلم: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين، بيت فيه يتيم يساء إليه». ومن قول النبي، صلى الله عليه وسلم، أيضاً: «من قبض، أي ضمن، يتيماً من بين مسلمين إلى طعامه وشرابه أدخله الله الجنة البتة، إلا أن يعمل ذنباً لا يغفر»، فالضم إلى الطعام والشراب فيه جبر للخواطر، وكذلك الإنسانية الرحيمة التي رأيناها في قول الله تعالى: «وَيَسألُونَكَ عَنِ ٱليَتامَىۖ قُل إِصلَاح لَّهُم خَيرۖ وَإِن تُخَالِطُوهُم فَإِخوَنُكُم»، سورة البقرة – الآية 220. ويظهر جبر خاطر الأيتام وإدخال السرور عليهم جلياً في قصة اختصام أبى لبابة، رضي الله عنه، ويتيم في نخلة، حيث قضى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأبى لبابة بالنخلة لأن الحق كان معه، لكنه عليه الصلاة والسلام، لما رأى الغلام اليتيم يبكي، قال لأبي لبابة «أعطه نخلتك، فقال: لا، فقال أعطه إياها ولك عذق في الجنة، فقال: لا، وفعل النبي ذلك لجبر وتطيب خاطر اليتيم، فسمع بذلك ابن الدحداحة فقال لأبي لبابة: أتبيع عذقك ذلك بحديقتي هذه؟ فقال نعم. ثم جاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: النخلة التي سألت لليتيم أن أعطيته ألي بها عذق في الجنة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. نعم. ثم قُتل ابن الدحداحة شهيداً يوم أحد، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كم من عذق مدلى لأبي الدحداح في الجنة.
ومدح صلى الله عليه وسلم نساء قريش لرعايتهن اليتامى؛ إذ قال: «خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على يتيم في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده».
ومن الأمثلة الكثيرة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، في جبر خواطر اليتامى، ما حدث عندما قُتل جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه، في غزوة مؤتة، فأسرع إلى داره، فدخل على زوجته أسماء بنت عميس رضي الله عنها، فقال لها: ائتيني ببني جعفر. فلما أتته بهم تشممهم وذرفت عيناه. وأخذهم معه إلى بيته، فلما ذكرت أمهم من يتمهم وحاجتهم، قال صلى الله عليه وسلم: «العيلة، يعني الفقر والحاجة، تخافين عليهم وأنا وليِّهُم في الدنيا والآخرة».
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يقتصر اهتمامه على جبر خواطر اليتامى فقط؛ بل حذر من الإساءة إليهم، أو أكل أموالهم بالباطل، فهو من السبع الموبقات، ومن كبائر الذنوب وعظائم الأمور.