عادي

الرفق بالحيوان.. رحمة تقي من النار

23:46 مساء
قراءة 4 دقائق

جبر الخواطر عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خلق إسلامي عظيم، يدل على سمو نفسه، وعظمة قلبه، ورجاحة عقله. بهذا الخلق، يجبر النبي نفوساً كُسرت، وقلوباً فطرت، وأرواحاً أزهقت، وأجساماً مرضت.

وجبر الخواطر عبادة وطاعة لله، تعالى، وجبر النفوس من الدعاء الملازم لرسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان يقول بين السجدتين «اللهم اغفر لي وارحمني واهدني واجبرني وارزقني». و«جبر الخواطر» صفة من صفات الأنبياء، فهم يتسمون بحسن المعاملة وطيبة القلب. وسُئل الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن أكثر الأفعال التي يدخل بها الإنسان الجنة، فقال: «التقوى وحسن الخلق»، وجبر الخاطر من حسن الخلق، وصفة إسلامية وإنسانية عظيمة، ولا تصدر إلا من صاحب القلب الطيب والأخلاق الحسنة، فهي مداواة للقلب.

الحيوانات المسخرة لنا تسبح لله العلي الأعلى، وتعلم علم اليقين أن خالقها وموجدها في هذه الحياة هو الله، ودليل ذلك قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} (سورة النور: الآية 41)

يذكر الشيخ محمد صديق المنشاوي في «كتاب علموا أولادكم أخلاق الرسول»، أن النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من «جبر بخواطر» الأنعام من إبل وبقر وغنم، وقد شدد عليه الصلاة والسلام المؤاخذة على من تقسو قلوبهم على الحيوان ويستهينون بآلامه، وبيّن أن الإنسان على عظم قدره وتكريمه على كثير من الخلق، فإنه يدخل النار بإساءة يرتكبها مع الحيوان.

ومن الرحمة بالحيوان والطير في هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أنه لا يجوز تعذيبها ولا تجويعها، أو تكليفها ما لا تطيق، ولا اتخاذها هدفاً يرمى إليه؛ بل وتحريم لعنها، ومن أمثلة رحمة النبي لهذه الحيوانات.. منع التمثيل بالحيوانات مثل قطع جزء من أعضائه وهو حي، أو تعذيبه. فعن جابر رضي الله عنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه حمار قد وُسم (كوي) في وجهه، فقال: لعن الله الذي وسمه).

وذات يوم دخل الرسول صلى الله عليه وسلم بستاناً، صاحبه رجل من الأنصار، فرأى فيه جملاً تبدو عليه علامات الجوع والتعب واضحة، وعندما رأى الجمل رسول الله ذرفت عيناه، فأتاه صلى الله عليه وسلم، فمسح عليه حتى سكن، سأل صلى الله عليه وسلم عن صاحب الجمل فجاء فتى من الأنصار وأخبره أنه يعود إليه، فقال له الرسول: (أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا لي أنك تجيعه وتتعبه). فما أعظم «جبراً للخاطر» الذي طيب به النبي صلى الله عليه وسلم هذا الجمل عندما مسح بيده الكريمة عليه حتى سكن.

وقد نهى صلى الله عليه وسلم أن يحول أحد بين حيوان أو طير وبين ولده، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة (طائر صغير) معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تُعرش (ترفرف بجناحيها)، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها). وكان هذا لتطييب خاطرها ورحمة بها.

ومن صور رحمته صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالإحسان إلى البهيمة حال ذبحها، وأثنى على من فعل ذلك؛ بل ونهى أن تحد آلة الذبح أمامها.. فقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل واضع رجله على صفحة شاة، وهو يحد شفرته وهي تلحظ «تنظر» إليه ببصرها. فقال مشفقاً بالشاة: «أفلا قبل هذا؟ أتريد أن تميتها موتتين؛».

يقول الشيخ محمد حسان في «موسوعة الآداب الإسلامية» حقاً هو رحمة الله للناس أجمعين، عربهم وعجمهم، مؤمنهم وكافرهم؛ بل شملت رحمته صلى الله عليه وسلم العجماوات من الطير والحيوان، فكان رحمة لمن على الأرض جميعاً، كما قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء:107).

جلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه يقص عليهم قصة ليبين لهم أجر وثواب الرحمة والشفقة بالحيوان. فقال صلى الله عليه وسلم: (بينما رجل بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئراً، فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى (التراب) من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خُفه ماء فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له.. قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجراً؟ فقال: (في كل ذات كبد رطبة أجر).

ويضيف، خرج النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة فمر ببعير مناخ على باب المسجد من أول النهار، ثم مر به آخر النهار وهو على حاله. فقال النبي: أين صاحب هذا البعير؟ فابتغى فلم يوجد. فقال صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله في هذه البهائم ثم اركبوها صحاحاً واركبوها سماناً».

ومن عجيب صور الرحمة بالحيوان في هدي النبي صلى الله عليه وسلم هو تحريم لعنه إياه، فعن أبي برزة رضي الله عنه قال: كانت ‏ ‏راحلة ‏ ‏أو ناقة أو بعير ‏‏عليها بعض متاع القوم وعليها ‏جارية، ‏فأخذوا بين جبلين فتضايق بهم الطريق، فأبصرت رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏فقالت: ‏حَلْ،‏ ‏حَلْ، ‏‏اللهم ألعنها.. فقال النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم: (‏من صاحب هذه ‏الجارية؟‏ ‏لا تصحبنا ‏‏راحلة ‏أو ناقة أو بعير عليها من لعنة الله تبارك وتعالى).

https://tinyurl.com/yr848pkd

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"