جبر الخواطر عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خلق إسلامي عظيم، يدل على سمو نفسه، وعظمة قلبه، ورجاحة عقله. بهذا الخلق، يجبر النبي نفوساً كُسرت، وقلوباً فطرت، وأرواحاً أزهقت، وأجساماً مرضت. وجبر الخواطر عبادة وطاعة لله، تعالى، وجبر النفوس من الدعاء الملازم لرسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان يقول بين السجدتين «اللهم اغفر لي وارحمني واهدني واجبرني وارزقني». و«جبر الخواطر» صفة من صفات الأنبياء، فهم يتسمون بحسن المعاملة وطيبة القلب. وسُئل الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن أكثر الأفعال التي يدخل بها الإنسان الجنة، فقال: «التقوى وحسن الخلق»، وجبر الخاطر من حسن الخلق، وصفة إسلامية وإنسانية عظيمة، ولا تصدر إلا من صاحب القلب الطيب والأخلاق الحسنة، فهي مداواة للقلب.

يقول د.حمزة النشرتي في كتاب آل بيت النبي: إن «خديجة» بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، وأمها فاطمة بنت زائدة هي «أم المؤمنين»، وكانت تدعى في الجاهلية ب«الطاهرة». وهي ذات شرف وسيادة في قومها، وكان لها مال وفير تتاجر فيه. آمنت بالنبي عندما كفر الناس به، وصدّقته عندما كذّبوه، وواسته بمالها عندما حرموه، ورُزقت منه البنين والبنات، وفازت فوزاً عظيماً عندما أصبحت أول مسلمة من النساء. مواقفها جليلة ووفاؤها وحكمتها عظيمان، وقفت خلف النبي صلى الله عليه وسلم تسانده في حياته، وكانت تتوسم فيه أنه سوف يكون نبي هذه الأمة المنتظر، فكانت تتركه لعبادة ربه؛ إذ كان يذهب إلى غار حراء بعيداً ويخلو إلى الله في تفكير عميق بعيداً عنها ليالي قد تطول، حتى جاء اليوم المنتظر –إذ كان في غار حراء– وهناك جاءه جبريل –عليه السلام- يقول له: اقرأ. فقال: ما أنا بقارئ. ثم يقول له: اقرأ. فيقول: ما أنا بقارئ. ثم يقول له: {اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم} [العلق: 1-3].

يضيف د.مصطفى مراد، عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر في كتاب «زوجات الأنبياء»: كانت السيدة خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم وزير صدق، ورفيق جهاد، وملاذاً آمناً، وقفت خلفه تؤيده في سنوات المقاطعة بكل ما أوتيت من قوة وجهد، وتركت دارها الفسيحة الأنيقة لتقيم مع زوجها في ركن من أركان هذا الشّعب.

ويذكر د.فاروق حمادة في كتابه «أيام في حياة الرسول»: حفظ النبي صلى الله عليه وسلم لها ذلك الفضل «جبراً لخاطرها»، فلم يتزوج عليها في حياتها إلى أن قضت نحبها، فحزن لفقدها حزناً شديداً، ولم يزل يذكرها، ويُبالغ في تعظيمها والثناء عليها، ويعترف بحبها وفضلها على سائر أمهات المؤمنين. ومن مظاهر وفائه صلى الله عليه وسلم لها أنه كان يصل صديقاتها بعد وفاتها جبراً لخاطرها، ويحسن إليهن وفاءً لها رضي الله عنها. وكان صلى الله عليه وسلم كما ورد في «البخاري» و»مسلم» إذا ذبح الشاة يقول: «أرسلوا بها إلى صدائق خديجة» رضي الله عنها. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع صوت هالة أخت السيدة خديجة تذكّر صوت زوجته، فيرتاح. وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم فضلها حين قال: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران» رضي الله عنهن.

ويضيف: «هنا يظهر ما كانت تتميز به السيدة خديجة رضي الله عنها من رجاحة العقل، وحسن العشرة لزوجها، فما كان جزاؤها إلا أن بشّرها الله عز وجل على لسان جبريل عليه السلام ببيت في الجنة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أتى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هذه خديجة أتت معها إناء فيه إدام (أو طعام أو شراب)، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشّرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب». فكان أعظم جبر لخاطر السيدة خديجة من الله ورسوله.

كانت رضي الله عنها امرأة صالحة، وصلت بفضل إيمانها إلى أن تتبوأ مكانة بارزة في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ لم تستطع أي واحدة من أمهات المؤمنين أن تزحزحها عن مكانتها هذه، حتى إن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت شديدة الغيرة منها من كثرة ما كان يذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحن إليها، ويشيد بمواقفها. تقول عائشة رضي الله عنها: ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها إلى صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: إنها كانت... وكانت...، وكان لي منها ولد.

وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينس السيدة خديجة رضي الله عنها بعد وفاتها؛ لأن كثرة الذكر والمدح والثناء يدلان على كثرة المحبة. كما أن إطعام صواحبها رضي الله عنها وإكرامهن مشعر باستمرار هذا الحب. ومن يتأمل كلام أهل التفسير في قوله تعالى: {وَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ} [الضحى: 8] -أي أن الله أغناك بخديجة رضي الله عنها- يدرك فضلها.

وسمي العام الذي ماتت فيه عام الحزن، ولكن ذكراها لم تغب عنه عليه الصلاة والسلام يوماً واحداً، وهو يرى الذرية الصالحة بنات خديجة حوله، فيذكرها صباح مساء. وكانت وفاتها في شهر رمضان في السنة العاشرة من النبوة، ولها خمس وستون سنة على أشهر الأقوال، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في الخمسين من عمره، فجاشت مشاعر الحزن والألم في قلبه.