اعداد: جيهان شعيب

الإنجازات تبقى شاهدة على صاحبها، فإن رحل جسداً فعطاءاته، ومواقفه، ووقفاته تخلد سيرته العطرة، وفي مثل اليوم 6 إبريل من عام 2016، غادر الحياة إلى دار البقاء، خلفان بن محمد الرومي، السياسي المثقف، صاحب الشخصية الواعية، والبصمات الأصيلة في تأسيس الدولة، بمشاركته في لجان التحضير لقيامها، وفي اللجنة التي أعدت دستورها الدائم، فضلاً عن عضويته بوفد انضمام الإمارات إلى جامعة الدول العربية، ومناقشته قضية الجزر التي احتلتها إيران قبل قيام الدولة بأيام قلائل.

ويسجل التاريخ أيضاً مشاركة الراحل في عضوية بعض الوفود التي أرسلت لإطلاع عدد من الدول على أسس قيام دولة الإمارات، ومنها قطر، والبحرين، والكويت، والعراق، وسوريا، والأردن، ولبنان، فضلاً عن عضويته في لجنة شؤون الموظفين بالدولة، وفي لجنة التشريعات، ومشاركته في مؤتمرات، واجتماعات خليجية، وعربية، وإسلامية، وعالمية عدة، إلى جانب دوره الكبير في نهضة مؤسسات الدولة، وترسيخ دعائمها.

في السيرة، والمسيرة، نجد أن خلفان الرومي ولد بإمارة الشارقة، في الخامس من يناير 1946، وحاز بكالوريوس في التاريخ من جامعة بغداد عام 1964، وهو من أوائل الذين حملوا الشهادات الأكاديمية وتلقوا تعليمهم ضمن الطلبة الذين أوفدوا إلى العراق لطلب العلم، وكانت ب«مدرسة حطين» أولى الوظائف التي شغلها معلماً عام 1968، ثم نائب مدير دائرة المعارف بالشارقة، ومسؤول تعليم الكبار.

ثم توالت المناصب، فأصبح وكيلاً في وزارة التربية والتعليم، إبّان تولي الراحل الدكتور عبدالله عمران تريم، وزارة التربية، ثم أضحى وزيراً للصحة عام 1977، ومن ثم وزيراً للعمل والشؤون الاجتماعية من عام 1983 حتى 1990، ليتولى وزارة الإعلام والثقافة، فضلاً عن ذلك ترأس الرومي، رحمه الله، الكثير من الوفود الرسمية.

مناصب عدة

وشغل عضوية مجلس الأمناء لكليات التقنية العليا، ولجنة الموارد البشرية في القطاع المالي والمصرفي، واللجنة العليا للانتخابات للمجلس الوطني الاتحادي، في الدورتين الأولى والثانية. كما كان الراحل نائب رئيس اتحاد مصارف الإمارات، وعضواً في عدد من البنوك، منها بنك الشارقة الوطني، والخليج الأول، والاستثمار، ونائب رئيس اتحاد مصارف الإمارات.

ولعل من المناصب المهمة التي تولّاها الراحل خلفان الرومي، ويسجل لها دوره الكبير في تميزها، وبروزها، وتطويرها، رئاسته مجلس إدارة «جائزة الصحافة العربية»، حيث كان من المواكبين لتأسيس الجائزة في دبي في بدايتها، التي أنشئت في نوفمبر 1999، بمبادرة من صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، للمساهمة في تطوير الصحافة العربية، وتعزيز مسيرتها، وتشجيع الصحفيين العرب على الإبداع بتكريم المتفوقين والمتميزين منهم.

شهادات حق

وكانت كلمات أصحاب السموّ حكام الدولة، عن الراحل خلفان الرومي، رحمه الله، خير دليل على ما كان عليه من وفاء لأرض الإمارات الخيرة، وعلى ما كان ينطوي عليه كيانه من إخلاص لمؤسسها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه؛ ففي يوم وفاته، كتب صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، على تويتر «خلفان محمد الرومي أعطى للوطن سنوات طويلة من حياته، ومن عطائه وطاقته واجتهاده، وأورث حب الوطن وخدمته لأبنائه، أحد رجال الوطن الأوفياء.. وأحد رفقاء زايد وراشد في مسيرة البناء».

وفي تأبين الراحل عام 2016 قال سموّ الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي «معلمي خلفان الرومي، عندما بدأتُ عملي في وزارة الإعلام والثقافة في التسعينات، كنتُ كأي شاب متحمّس ومندفع للعمل، كُنتُ أظنني قادراً على تغيير العالم كأي فتى مقبل على الحياة، إلا أنني كنتُ محظوظاً بمدير عاقل خبر الحياة كثيراً، لم يُكسّر طموحاتي على صخرة الواقع، بل تبنّى ذلك الحماس واحتواه، بحكمة الأب، وبخبرة المعلم الذي يتمنى أن يصبح تلامذته ناجحين في حياتهم، لم تكن عندي خبرة في العمل حينها، فكان أبو فيصل هو المعلم الذي استفدتُ من معرفته كثيراً، والموجّه الذي كان يُصحح أخطائي بابتسامة، وكلمات مُشجّعة».

ناصح أمين

وقال سموّه «لقد كانت دولتنا وما زالت محظوظة برجال مخلصين بذلوا حياتهم وكل ما يملكون لخدمتها، لقد آمنوا مع زايد بأنهم رغم كل التحديات التي كانت أمامهم، فإنهم قادرون على بناء وطن عظيم، ودولة عصرية، تتنافس اليوم مع دول العالم، للمساهمة في جعل الحياة مكاناً جميلاً للعيش، والإبداع، لقد كان إحدى الركائز التي قام عليها الاتحاد، فكان الناصح الأمين، والرجل القوي، الذي لا يكتفي بتأدية عمله فقط، بل يَصِلُ ليله بنهاره لتطوير الحكومة، وبناء مجتمع قادر، على النهوض بأفراده ليكونوا فاعلين في الحياة، وعلّمني عندما توفي ابنه فيصل كيف يكون صبر المؤمن على المصائب، وكيف يستمر الإنسان في الحياة، والعمل، والمثابرة، لأن الحياة لا بد أن تستمر».

وتعلمتُ من أبي فيصل معنى حُب المستقبل، فلم يكن يوماً متشائماً، لم يشتكِ من شيء وكلما واجهته عقبة ما كان يُصِرّ على العمل أكثر حتى يتغلب عليها، كنتُ أتصل به دائماً لأستشيره، ولا تنتهي مكالمتي معه حتى أشعر بأنني ممتلئ بطاقة عظيمة، لقد كان رحمه الله صاحب نظرة عميقة في الحياة، وكانت كلماته مليئة بالتفاؤل، والأمل والحكمة، إذا دخلتَ عليه وسط جمع من الناس لا تعرف من الوزير بينهم، يعامل الناس كلهم كأصدقاء وإخوة، فأكسبه ذلك التواضع الجم محبة كل من حوله، لو سألني أحدهم «ما أجمل الأشياء تعلمتها من خلفان الرومي؟»، لقلتُ له: «التواضع والهدوء، لم يُحب أن يُناديه أحد بلقب «معاليك»، وكان هدوؤه صخرة تتكسر عليها أمواج الأزمات، والمصائب فأصبح ملجأ لكل من عرفه».

شخصية وادعة

وفي مقال مؤثر عام 2018 روى عبد الغفار حسين، عن الراحل أنه كان زميلاً للراحلين تريم وعبدالله عمران، كونهم من جيل واحد، وأن الثلاثة من أوائل من تلقوا التعليم النظامي المتكامل الذي بدأت بواكيره في الشارقة في منتصف خمسينات القرن الماضي. كما كانوا من الإماراتيين الأوائل الذين انتُدبوا في بعثات لإكمال تعليمهم إلى البلاد العربية، حيث أكمل الرومي تعليمه الجامعي في بغداد، بينما أكمل زميلاه تريم وعبد الله عمران، التعليم في مصر في جامعة القاهرة.

وقال إنه رغم أن العراق كان يومئذ يموج بالصخب الثوري، والأيديولوجيات القومية، والتشنجية في المجابهة، فإن خلفان الرومي، رحمه الله، لم يتأثر تأثيراً يغير من شخصيته الوادعة، وميوله الهادئة وطباعه الإنسانية، ودماثة خُلقه، تلك الصفات التي حالت بينه وبين التشنجية والتشددية، التي انتابت الكثيرين ممن تلقوا دراساتهم في تلك الأيام.

وأضاف أن خلفان، كان من أكثر المقربين إلى المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد، طيّب الله ثراهما، اللذين وجدا فيه أحد أكثر الإماراتيين تأهيلاً للاعتماد عليه في المهمات من الأمور. كما كان خلفان الرومي أحد الأركان المهمة في مجلس الوزراء الذي كان يرأسه المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد، رحمه الله. كما كان أبوفيصل محل احترام صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، رعاه الله، وتلقى منه تكريماً خاصاً في مناسبات عدة.