د. سالم الشويهي
لما انتهى نوح، عليه السلام، من صنع السفينة وأحكم بناءها، أوحى الله إليه أن يحمل فيها من آمن معه ومن كلٍ زوجين اثنين من الحيوانات والطيور وغيرها لبقاء نسلها لأن الأرض ستغرق بمن فيها وما فيها.
ويعطي الله نبيه علامة مميزة ليبدؤا ركوب السفينة، وهي أن يفور التنور بالماء قال تعالى: «حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ».
والتنور بيت النار، وخروج الماء منه، على غير العادة، إيذان بتغيّر الناموس الكوني وبدءِ العقاب الموعود، وهي الشارة المتفقُ عليها لبَدءِ العقوبة الربانية. ويبدأ التنور بالفوران فيسارع نوح ومن معه من المؤمنين إلى السفينة التي تحملهم إلى برّ الأمان.
كما قال عليه السلام في دعائه: «وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِي مِنْ الْمُؤْمِنِينَ»، فلن يركب سفينة النجاة إلا السعيد بالإيمان بالله.
قَالَ الإمام مَالك «السُّنَّةُ سَفِينَةُ نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ». وقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ, وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى».
فلا تأمن بعدها من أن تغرق في طوفان الفتن العظيمة المتلاطمة وادع الله دوماً أن يجنبك الفتن ما ظهر منها وما بطن، فأنت في سفينة الحياة ستتعرض لكثير من العواصف. فليكن لديك وضوح الهدف والغاية والمبدأ ولسان حالك يقول:
ماضٍ وأعرفُ ما دربي وما هدفي... والموتُ يرقصُ لي في كل منعطَفِ
وما أبالي به حتى أحاذرَه... فخشيةُ الموت عندي أبردُ الطُّرَفِ
وجاء اليوم الرهيب، وفار التنور وأسرع نوح ومن معه من المؤمنين إلى ركوب السفينة ودعا نوحٌ عليه السلام الحيوانات مرّةً واحدة فركبت السّفينة وقضى ألف سنة يدعو النّاسَ إلى الله فاختاروا الغرق! فالقضيّة باختصار: غريزة سليمة أفضل من عقل سقيم، فالإنسانُ يُحرّكه العقل والحيواناتُ تُحرّكها الغرائز، ومنذ بدءِ الخليقةِ إلى اليومِ حافظت الحيواناتُ على غرائزها سليمة، أمّا البشرُ فعندما تمرضُ عقولُهم تفسدُ غرائزُهم فيفعلون ما تأنفُ الحيواناتُ أن تفعله! ويركبون السفينة وعين الله ترعاها، والمؤمن الحق تكلؤه عناية المولى سبحانه وتحميه وتنقذه من البلاء وتسمو به إلى النجاة والهناء
المؤمنون على عناية ربهم يتوكلون
لا خوف يفزعهم ولا هم في الحوادث يحزنون
المؤمن الوثاب تعصمه من الهول السكينة
والخائف الهياب يَغرق وهو في ظل السفينة
قال الله تعالى لنوح عليه السلام:« فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ».
أمره أن يحمد ربه على ما سخر له من هذه السفينة، فنجاه بها وفتح بينه وبين قومه، واستجاب دعاءه الذي قال فيه: «فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ». وقد امتثل نوح عليه السلام هذه الوصية: «وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ»، أَيْ: بِسْمِ اللَّهِ يَكُونُ جَرْيُها عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، وَبِسْمِ اللَّهِ يَكُونُ مُنْتَهَى سَيْرِهَا، وَرُسُوِها. وهنا توجيه أن نبدأ باسم الله في كل شؤوننا، وقد جَاءَتِ السُّنَّةُ بِالْحَثِّ عَلَى ذَلِكَ، وَالنَّدْبِ إِلَيْهِ
روي في الحديث: «كُل أَمْرٍ ذِي بَالٍ (أي: ذو شأن) لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بذكر الله فَهُوَ أقْطَعُ»، وَفِي رِوَايَةٍ «فَهُوَ أَبْتَرُ» أي: مَنْزُوعُ الْبَرَكَةِ.
فالعمل الذي لا يُفتتح بذكر الله، جدير بذهاب البركة عنه، فلا غنى لنا عن ذكر الله في أمور حياتنا كل بما يناسبه من الذكر كما ورد بالشرع. وعلى المسلم أن يكون ذكرُ الله في قلبه وعلى لسانه فذكرُ الله عنوانُ الإيمان وسبيل الأمان.