د. سالم الشويهي
وصف الله تعالى سفينة نوح بقوله: «وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ»، إنه مشهد رهيب وما شاهدناه من الصور والمقاطع عن هول طوفان «تسونامي» لا شيء يُذكر ولا وجه للمقارنة مع هذا الطوفان العظيم ففي قوله تعالى:«مَوْجٍ كَالْجِبَالِ»، إشارة إلى الارتفاع الهائل لتلك الأمواج، وإلى وجود ريح قوية وإعصار مهول.
كما وصف الله هذه الصورة بقوله تعالى: «فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ»، فغرقت الأرض وغطتها المياه بما فيها قمم الجبال الشاهقة وليس فيها يابسة إلا سفينة نوح فوق قمم الأمواج، مما يدل على أن طوفان نوح كان شيئاً مخيفاً يدل على قدرة الخالق، ولم يحدث مثله على مر العصور.
ومع ذلك لم تتأثر تلك السفينة التي صنعها نوح، عليه السلام، ومن معه بمواد بدائية ويسيرة لأنها محفوظة بحفظ الله «بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا»
فالله نعم الحافظ والوكيل كما قال الله:«تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا»، أي: تجري بنوح ومن آمن معه، وما حمله من أصناف المخلوقات لا يحفظها من هذا الموج سوى الرحمن.
وإذا نظرنا إلى التقدم العلمي الذي كانت منه صناعة السُّفُن الحديثة الكبيرة العظيمة عابرة البحار والمحيطات، والتي صُنعت بأحدث المواد وأمتنها وكأنها جزر تمخر المحيطات، ومع ذلك قد يَعلو الموجُ بِضعة أمتارٍ منها فتغرق السفينةُ بما فيها، أمَّا السَّفينة المتواضعة التي وُصِفَت بأنَّها: «ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ»، أي: المسامير التي قد سُمرت بها ألواحها وشُد بها أَسرها فإنَّها على رُغم تواضُع صناعتها فإنَّ الأمواجَ العاتية التي لم تشهد الأرض ولا البشرية لها مثيلاً، لم تؤثِّر فيها؛ لأن صنّاع سفينة نوح أخلصوا النية لله ثم أتقنوا عملهم وتوكلوا على ربهم فوفقهم وحفظهم ونجاهم.
وإن من الآداب والواجبات التي ينبغي لكل مسلم أن يلتزم بها أن يتقن في عمله كما وجه النبي، المصطفى والحبيب المجتبى أمته فقال، صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَه»، فالمسلم مطالب بالإتقان في كل عمل تعبدي أو سلوكي أو معاشي. قال تعالى: «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ».
حتى وإن كنت لست محترفاً في عملك فأنت قادر على فعل وإنجاز الكثير، فقط أخلص النية واعمل لا تنظر لقدرتك أنت، بل إلى قدرة من تسعى من أجله فاستحضر«وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ».
سفينة نوح لم تُبن من صنّاع محترفين، ولكنهم ملهمون من رب العالمين «وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا»، فالتوفيق حليفهم لأن رعاية الله تحفظهم، ووحيه يرشدهم، ومن كان الله معه ويعمل بهدي الله فهو الفائز الراشد دوماً.
ولا عجب أن تمخر سفينة نوح والتي قد صنعت بوحي الله وعلى عينه موجاً كالجبال، في أجواء عصيبة: الماء فيها من السماء منهمر، ومن الأرض فائر منفجر من جميع فجاجها وسائر أرجائها!
بينما تغرق في لجة البحر السفن الحديثة التي هي غاية ما توصلت إليه العقول البشرية!
سفينة «تيتانيك» الشهيرة العملاقة أكبر باخرة نقل ركاب في العالم تم بناؤها في ذلك الوقت وأكثرها رفاهية، بنيت على أيدي أمهر المهندسين المحترفين في صناعة السفن وأكثرهم خبرة، ومع ذلك كله غرقت في أول رحلة لها، وهي الآن ترقد في قاع المحيط. وفي المقابل سفينة نوح على بساطتها وتواضُع صناعتها فإنَّ الأمواجَ العاتية التي لم تشهد الأرض ولا البشرية لها مثيلاً لم تؤثِّر فيها؛ فتغلَّبَت على أَعتى الأمواج على الإطلاق فكانت تمخر بين موج كالجبال لا يحفظها من الغرق سوى الرحمن.
وكان ذلك آيةً عظيمةً كما قال تعالى: «وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ». قَالَ قَتَادَةُ: «أَبْقَى اللَّهُ سَفِينَةَ نُوحٍ عِبْرَةً وَآيَةً حَتَّى نَظَرَ إِلَيْهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَكَمْ مِنْ سَفِينَةٍ كانت بَعْدَهَا قد صَارَتْ رَمَادًا».