جبر الخواطر عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خلق إسلامي عظيم، يدل على سمو نفسه، وعظمة قلبه، ورجاحة عقله. بهذا الخلق، يجبر النبي نفوساً كُسرت، وقلوباً فطرت، وأرواحاً أزهقت، وأجساماً مرضت.
وجبر الخواطر عبادة وطاعة لله، تعالى، وجبر النفوس من الدعاء الملازم لرسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان يقول بين السجدتين «اللهم اغفر لي وارحمني واهدني واجبرني وارزقني». و«جبر الخواطر» صفة من صفات الأنبياء، فهم يتسمون بحسن المعاملة وطيبة القلب. وسُئل الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن أكثر الأفعال التي يدخل بها الإنسان الجنة، فقال: «التقوى وحسن الخلق»، وجبر الخاطر من حسن الخلق، وصفة إسلامية وإنسانية عظيمة، ولا تصدر إلا من صاحب القلب الطيب والأخلاق الحسنة، فهي مداواة للقلب.
بلغ من أهمية صلة الرحم في هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن قرنها بالتوحيد، وجعلها من الأمور التي بُعث من أجلها. عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سرّه أن يُمدّ له في عمره، ويوسّع له في رزقه، ويدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه». وقال الله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 22-23].
يورد عبد العزيز الشناوي في كتاب «حياة الصحابة، دروس وعبر» من صور صلة الرحم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو لهم، ويُثني عليهم، ويوصي بهم خيراً، ويتألم لإيذاء أحد منهم، ويجبر خاطرهم في جميع المواقف. وأثنى النبي على خاله سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فقال: «هذا خالي، فليرني امرؤ خاله». رواه الترمذي. وكان سعد بن أبي وقاص وأم النبي من بني زهرة؛ فلذلك قال صلى الله عليه وسلم : «هذا خالي» جبراً لخاطره.
وأحب النبي ابن عمه جعفر بن أبي طالب، وله مواقف كثيرة معه، ومنها أنه كان صلى الله عليه وسلم يحتفل مع المسلمين بفتح خيبر حين طلع عليهم قادماً من الحبشة جعفرُ بن أبي طالب، ومعه من كانوا لا يزالون في الحبشة من المهاجرين. وأُفعم قلب الرسول عليه الصلاة والسلام بمقدمه بالغبطة والسعادة والبشر، وعانقه وهو يقول: «لا أدري بأيهما أنا أسرّ؛ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر».
وكان أبو العاص بن أمية مشركاً ظالماً ثم أسلم وحسن إسلامه، وقال فيه صلى الله عليه وسلم وهو مشرك: «إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي، إنما وليي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها». وهذا الزبير بن العوام رضي الله عنه ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم يثني عليه فيقول: «لكل نبي حواري، وحواريّ الزبير». رواه البخاري.
ويقول عبد العزيز الشناوي في كتابه: كان صلى الله عليه وسلم حسن العشرة لأهله، جاء في الحديث عنه أنه قال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». وكان بره بعمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه في مواقف كثيرة، ففي بدر قال لأصحابه رضي الله عنهم : «من لقي منكم العباس فليكف عنه فإنه مكره». فأسره رجل من الأنصار، وفي الليل سهر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أصحابه: ما يسهرك يا نبي الله؟ قال صلى الله عليه وسلم : «أنين العباس». فقام رجل من القوم فأرخى من وثاقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما لي لا أسمع أنين العباس؟» فقال رجل من القوم: إني أرخيت من وثاقه شيئاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «فافعل ذلك بالأسرى كلهم». وبعد إسلام العباس رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرمه ويعظمه ويجبر خاطره.
كان الإحسان إلى الأرحام من شيم النبي صلى الله عليه وسلم، كما قالت له أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها عند بدء الوحي؛ إذ قالت له: «إنك لتصل الرحم...» ومن أمثلة إحسانه صلى الله عليه وسلم هدايتهم إلى دين الله تعالى مع ما بذله من جهد جهيد لتحقيق ذلك، وليس أدل على ذلك من محاولاته المضنية مع عمه أبي طالب. وفي موقف آخر خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس عمه حمزة بن عبد المطلب، فوجده ببطن الوادي قد بُقر بطنه عن كبده ومُثّل به، فجدع أنفه وأذناه. ولما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيظه على من فعل بعمه ما فعل قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوماً من الدهر لنمثلنّ بهم مُثلة لم يمثلها أحد من العرب.
قال ابن هشام: ولما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة قال: «لن أصاب بمثلك أبداً، ما وقفت موقفاً قط أغيظ إليّ من هذا». ثم قال: «جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة بن عبد المطلب مكتوب في أهل السماوات السبع، حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله». وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمزة، وأبو سلمة ابن عبد الأسد إخوة من الرضاعة؛ أرضعتهم مولاة لأبي لهب.
واحتضن النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، ورباه، فلما شب زوّجه ابنته فاطمة الزهراء أحب الناس إليه. وقال عنه صلى الله عليه وسلم :«من كنت وليه فعلي مولاه، اللهم وَالِ من والاه وَعَادِ من عاداه».
يقول د. حمزة النشرتي في كتاب «آل بيت النبي»: ومن حسن معاملته صلى الله عليه وسلم لأهله مدحهن، والثناء عليهن، وبيان فضلهن، وكان ينصف من أزواجه في كل شيء.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أحبوا الله لما يغذوكم به، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي». أخرجه الترمذي.