تحقيق: راندا جرجس

تقع الغدة الدرقية، التي تُعد أكبر الغدد الصماء في جسم الإنسان، بمقدمة الرقبة وتتكون من فصين، وهي المسؤولة عن إفراز هرمون «ثيروكسين» الذي يؤثر في معظم الوظائف الحيوية، مثل: تنظيم ضربات القلب، وضبط معدل حرق السعرات الحرارية، والخصوبة، وضبط عملية الهضم، وترميم الجلد، وإنتاج الحرارة، وتساهم في عملية النمو والأيض والتمثيل الغذائي، كما تؤثر في الخلايا والأعضاء والأجهزة، ويساعد على تنظيم الكالسيوم والفوسفات والبوتاسيوم في الدم، وفي بعض الحالات يمكن أن تتعرض الدرقية للكسل أو القصور أو فرط نشاط إفراز الهرمون، ما يؤثر في وظيفتها ويحُدث خللاً في الوزن، العقم، آلام المفاصل، والعقم، وأمراض في القلب.

يُعد فرط نشاط الغدة الدرقية من المشكلات التي تستهدف العديد من الأشخاص ويظهر عند النساء بمعدل أكبر من الرجال، وهناك أسباب شائعة للإصابة من بينها «داء جريفز» (أحد اضطرابات المناعة الذاتية التي تتسبب في تحفيز الأجسام المضادة إفراز الكثير من الهرمونات)، وهناك تضخم الغدة الدرقية السام وهو مرض يظهر في العادة بعد عمر الستين عاماً، بالإضافة إلى عوامل نادرة مثل: أورام المبيض والخصية، وفقاً للدكتور محمد صالح أحمد استشاري الغدد الصماء.

ويضيف: أما عند الأطفال فعادة ما يكون فرط الغدة الدرقية عابراً، وينجم عن انتقال الأجسام المضادة الذاتية عبر المشيمة من الأم إلى الطفل، ومن المهم الحفاظ على التحكم الجيد لأن مستويات هرمون الغدة الدرقية الطبيعية تعتبر مهمة للغاية لنمو الجهاز العصبي المبكر للطفل.

يشير د.صالح إلى أن هذا الاضطراب يمكن أن ينجم عن وجود «عقيدات» شديدة النشاط المستقلة في الغدة الدرقية، والتي تتحول بعد وقت إلى كتل من الأنسجة ويزيد نشاطها، ويمكن أن تتسبب العدوى الفيروسية في تضخم الدرق وتسرب الهرمونات، وغالباً ما يتبع هذه الحالة فترة مؤقتة من مشكلة قصور إنتاج الهرمون، وقد تتسبب بعض الأدوية أيضاً في فرط نشاط الغدة الدرقية كالعقار المستخدم لعلاج اضطرابات إيقاع نبض القلب.

يصاحب فرط نشاط الغدة الدرقية التعرّق المفرط، وتسارع نبض القلب، ورجفة اليد، وخسارة الوزن، وتهيج الجلد، ووهن العظام، ويتم تشخيص الحالة عن طريق الفحص السريري، والتاريخ المرضي للمصاب، وإجراء اختبارات وظيفة الغدة الدرقية.

ويضيف: إن مضاعفات فرط نشاط الغدة الدرقية تختلف من مريض لآخر، وتتراوح من الشعور البسيط إلى الشديد، وأعراض أخرى مثل: تقصف وجفاف الشعر، تورّم واحمرار البشرة لا سيما في منطقة السيقان، الإسهال، تورّم في قاعدة الرقبة، عدم انتظام الدورة الشهرية، كما يؤثر إفراط إنتاج الهرمونات في كل الأنسجة والأعضاء الجسدية، ويزيد من معدل الأيض الأساسي.

ويلفت د.صالح إلى أن هرمون الغدة الدرقية يلعب دوراً حيوياً في تنظيم عملية التمثيل الغذائي الأساسية للجسم، ولذلك يجب الاهتمام بالصحة النفسية للمريض، حيث إن طرق التداوي تعتمد على إدارة متطلبات الجسم وفقاً للأعراض اليومية، مع ضرورة الالتزام بتناول الأدوية المضادة للدرقية، وتعتبر الجراحة إحدى الخيارات العلاجية لهذه الحالة إذا كان المريض يعاني تضخماً كبيراً في الغدة الدرقية، أو لديه حساسية من الأدوية المضادة لنشاط الهرمون، ويشكل اليود المُشع العلاج الأكثر استخداماً في حال لم تنجح العقاقير في السيطرة على المرض بعد فترة، وهو علاج آمن ولا تنتج عنه مضاعفات خطيرة في معظم الحالات.

علامات القصور

يوضح د. فيبين ميشرا استشاري الغدد الصماء قصور نشاط الغدة الدرقية يرافقه زيادة الوزن، الخمول، التعب المفرط، انتفاخ الوجه، زيادة الشعور بالنوم، ارتفاع ضغط الدم ومستوى الكوليسترول، ازدياد ضربات القلب، جفاف في البشرة، تساقط الشعر، فقدان الذاكرة، تقلب المزاج، قلة التركيز، الإمساك، وعدم انتظام الدورة الشهرية لدى النساء، ويؤثر في قصر الطول، انخفاض معدل الذكاء، ضعف الأداء المدرسي عند الأطفال، وتحدث هذه الحالة على الأغلب نتيجة العوامل الوراثية.

وتشير الدراسات إلى أن نحو 80٪ من حالات قصور الغدة الدرقية ناتجة عن تلف مناعي ذاتي، وربما تحدث الإصابة لدى بعض المرضى نتيجة تناول أنواع معينة من الأدوية، أو بسبب التعرض للضرر الإشعاعي أثناء المعالجة من سرطانات أخرى.

ويشير د. ميشرا إلى أن وسائل تشخيص قصور الغدة الدرقية تتم عن طريق الكشف السريري، والتأكد من وجود هذه المشكلة بإجراء اختبار الدم الكامل، وفحص نسبة الفيتامينات والمعادن ونسبة هرمونات الدرقية، وتعتمد معالجة القصور على تعويض وتصحيح نقص عوز الهرمون في الجسم، ويتم ذلك عن طريق عن طريق تناول أقراص هرمون الدرقية، ويجب المتابعة بفحص المريض كل ثلاثة أشهر لتقييم الحالة، والتأكد من السيطرة على الأعراض حتى يستطيع الشخص أن يمارس حياته دون التعرض لمضاعفات تؤثر في صحته.

أورام خبيثة

يذكر د. ثامر العيسى استشاري الغدد الصماء أن سرطان الغدة الدرقية توجد له أسباب محددة، ولكن تشير النظريات العلمية إلى وجود طفرات جينية في الحمض النووي يمكن أن تساهم في حدوث المرض، كما يلعب التاريخ العائلي لمريض من نفس العائلة في توارثها، كما يؤدي التعرض إلى العلاج الإشعاعي المٌستخدم في علاج ورام سرطانية في فترة الطفولة إلى زيادة فرصة الإصابة.

يوضح د.العيسى أن سرطان الغدة الدرقية لا يرافقه أعراض ظاهرة في المراحل الأولى، ولكن يتم اكتشاف الإصابة بعد ملاحظة وجود تضخم في الدرقية أو العقد في داخلها من خلال فحوص الأشعة المقطعية أو السونار أو عند إجراء الرنين المغناطيسي.

ويضيف: تُعتبر أشعة السونار أفضل الطرق لفحص الغدة الدرقية، والكشف عن المشكلات والاضطرابات التي تواجهها، ويمكن الاعتماد عليه لتقدير مدى اشتباه وجود أورام خبيثة بها، وتكتمل إجراءات التشخيص بفحص الخلايا، من خلال أخذ عينة سائلة من العُقد المشكوك فيها.

يؤكد د. العيسى أن العلاج بالاستئصال الجراحي هو الأمثل لسرطان الغدة الدرقية، وربما يحتاج بعض المرضى إلى التعرض لليود المُشع لتقوم لقتل الخلايا السرطانية المتبقية بعد العملية الجراحية، كما يتبعها أيضاً استخدام هرمون «ثيروكسين» بالمعدل المطلوب بحسب حالة المريض، لمنع عودة وتكاثر الأورام مرة أخرى، وتجدر الإشارة إلى أن نسبة الشفاء من سرطان الغدة الدرقية تصل إلى 98% في الحالات غير المتقدمة.

هرمون «ثيروكسين»

تفرز الغدة الدرقية هرموناً غير نشط يٌسمى «ثيروكسين» يتم تصنيعه بشكل أساسي في الخلايا الظهارية الدرقية، ويتحول معظمه إلى شكله النشط وهو في الكبد والكلى، ويلعب دوراً حيوياً في تنظيم النمو وعمليات الأيض، الهضم، ووظيفة القلب والعضلات وتطور الدماغ وترميم العظام، وتجدر الإشارة إلى أن هذا الهرمون مشتق من الأحماض الأمينية المعالجة باليود.

ويحذر الخبراء من ارتفاع أو انخفاض مستويات هرمون «ثيروكسين»، حيث إن هذا الخلل يمكن أن يتسبب في مشاكل مختلفة تؤثر في صحة الجسم، مثل: الإصابة بحالة تعرف باسم التسمم الدرقي، زيادة في حركة الأمعاء، تضخم الغدة الدرقية، عدم انتظام في الدورة الشهرية، فقدان في الوزن، الشعور بالتعب العام.

ويتسبب انخفاض مستوى هرمون «ثيروكسين» في حدوث مشاكل في النمو وخاصة عند الإصابة في مرحلة الطفولة، التقليل من معدل التمثيل الغذائي عند البالغين، زيادة في الوزن، اضطرابات الذاكرة والتركيز، العقم، تيبس العضلات، وقصور الغدة الدرقية.