عن القومية وأخواتها

00:56 صباحا
قراءة 3 دقائق

عبدالله السويجي

هل القومية العربية مصطلح غير دقيق اخترعه الاشتراكيون الأمميون العرب، الذين استوردوا نظريتهم من الاتحاد السوفييتي، لينقلبوا على النظم الملكية، في أكثر من بلد عربي في ستينات وسبعينات القرن الماضي؟ وهل شيطنة المصطلح حينذاك كان بسبب بيئته الشيوعية، التي فهمها البعض على أنها كفر وإلحاد؟ وهل عداء الدين، أو المتدينين لها، كان لدوافع سياسية أم فقهية؟ وهل انقسام الاشتراكيين العرب على أنفسهم منذ البداية هو انقسام في معنى مصطلح القومية، أم كان بسبب عداء شخصي بين الزعماء؟ وهل الفكر المتطرف الذي أتت به حركات متشددة في إطار ما سُمّي «الربيع العربي»، كان للقضاء على ما تبقى من الفكر القومي، وإحياء للمواجهة بين الدين والقومية؟ وهل لا تزال القومية صالحة حتى يومنا هذا، في عصر التحالفات الاقتصادية، وسيطرة ماكينة الإنتاج التقني والتكنولوجي والذكاء الاصطناعي؟ وهل أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي، منتجاً تقنياً، في تعزيز الفردانية ونبذ التفكير الجماعي؟

 الحقيقة أن الفكر القومي لا علاقة له بالاتحاد السوفييتي أو الفكر الشيوعي؛ بل ظهر الفكر في أواخر تسعينات ومطلع عشرينات القرن الماضي، وكانت بداياته في بلاد الشام بعد حملة محمد علي والتدخل الأوروبي، وكانت مطالب القوميين العرب محدودة بالإصلاح داخل الدولة العثمانية، ومن أبرز دعاة القومية العربية ساطع الحصري وشكيب أرسلان وزكي الأرسوزي ومحمد علي دروزة. 

 وهناك من يُرجع هذا العجز في إيجاد إجابة إلى تداخل القومي مع القطري، والاقتصادي مع المجتمعي، والسياسي مع العسكري، لنصل في النهاية إلى احتمال أن يكون الفكر القومي قد وُظّف لأهداف غير وطنية، انطلاقاً من التفريق بين القومية والوطنية. والبعض الآخر يُرجع الأمر إلى تركيبتنا القبلية عرباً، منذ الجاهلية حتى عصر ما بعد الحداثة. 

 ويؤكد البعض أن هذه التركيبة هي التي وقفت حائلاً دون تطبيق الديمقراطية الليبرالية، ولما لهذه الديمقراطية من معايير تمس هرمية التشكيل القبلي والمجتمعي. ويرى آخرون أن الأفكار الجديدة، كالقومية والديمقراطية، لم تنجح بسبب عدم استعداد المجتمعات العربية لتقبلها وتطبيقها، إما بسبب الأمية الأبجدية أو الثقافية أو الدينية، أو بسبب الأعراف والعادات والتقاليد، خاصة تلك المتعلقة بالمرأة وشخصيتها وكينونتها ودورها في المجتمع. ويرى طرف آخر أن عدم نجاح الاشتراكية أو الديمقراطية يعود إلى سيادة الطبقية في المجتمعات العربية، الطبقية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. 

 وهناك من يُعيد فشل القومية إلى تعدد القوميات والأعراق والديانات في العالم العربي، أي وجود الأقليات، التي ترفض الانصهار في قومية جديدة لا تنتمي إليها، وتعتقد بأنها تهدد هويتها. وهنا نعود لطرح الأسئلة: هل أزمات العالم العربي تكمن في فشل السياسات المتعاقبة والأنظمة المتبدلة في التعامل مع الأقليات، إن كانت عرقية أو دينية أو مذهبية؟ وقد طفت الأزمة مع قدوم الفكر المتطرف والمتشدد مع «الربيع العربي» وتعامله القاسي مع الأقليات، إلى درجة المصادرة والاستباحة وأحياناً الإبادة والتعامل مع نساء تلك الأقليات سبايا حروب.

 إن ما نشهده من حروب أهلية وصراعات على السلطة وانقلابات على الأنظمة في العالم العربي، يعود إلى عدم اختيار نظام سياسي محدد في كل دولة، والمسميات لا تدل أبداً على الممارسة الحقيقية. فمثلاً، حين نقول الجمهورية الفلانية، لا نجد قوانين وأنظمة تترجم مصطلح الجمهورية الحقيقي، والذي يعني سيادة الشعب في اختيار حاكمه، وبذلك يتصل المسمى مباشرة بالسيادة، سيادة الشعب والحكومة والدولة. ولو نظرنا إلى ترجمة السيادة على الأرض سنكتشف أن الجمهوريات لم تكن كذلك؛ بل تحولت إلى ملكيات. وهناك جمهوريات طائفية ومذهبية ودكتاتورية وغير ذلك.

 أعتقد بأن الأزمة في العالم العربي ليست في المصطلحات أو المسميات، وإنما في التطبيق الحضاري لأنظمة الحكم، فأينما يتوفر العدل والعيش الكريم، يكون نظام الحكم الصالح.

[email protected]

https://tinyurl.com/2jnw3un8

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"