النفط باقٍ ما بقي نمو الاقتصاد

00:28 صباحا
قراءة 3 دقائق

أحمد مصطفى

حين انطلقت الإذاعة في بدايات القرن الماضي، توقع البعض أن الصحافة المطبوعة انتهت. وحين أطلق التلفزيون بعد منتصف القرن توقع غيرهم أن الصحف والإذاعات إلى زوال. ورغم ذلك، ما زالت الصحف تطبع والإذاعات تبث، حتى وإن تغيّر وسيط النشر، من ورق وموجات أثير، إلى مواقع وتطبيقات رقمية عبر الإنترنت. الأمر ذاته ينطبق على مكانة النفط في سوق الطاقة.

 ففي كلمته أمام مؤتمر الشرق الأوسط للنفط والغاز في دبي قبل أيام، كرّر الأمين العام لمنظمة «أوبك»، هيثم الغيص، التأكيد على حاجة العالم لاستثمار تريليونات الدولارات في قطاعات الطاقة على مدى السنوات المقبلة لضمان تلبية زيادة الطلب العالمي. ذلك هو موقف «أوبك» منذ فترة في سياق حرصها على توازن معادلة العرض والطلب، في سوق النفط تحديداً. وهي سياسة كبار المنتجين في المنظمة، مثل السعودية والإمارات، وبالتعاون مع الشركاء من خارج المنظمة، وفي مقدمتهم روسيا.

 هذا ما يفعله المنتجون، من ضمان تلبية لطلب بضبط العرض، ومن خلال استثماراتهم المستمرة في كل جوانب قطاع الطاقة. لكن حاجة «أوبك» لتكرار الأمر في كل مناسبة، كما يفعل ناشطاً أمينها العام الحالي، تأتي رداً على رسائل مغايرة من وكالة الطاقة الدولية، ومديرها فاتح بيرول. وتؤدي تلك الرسائل إلى اضطراب أسواق الطاقة بما يضر بالمستهلكين وشعوبهم، قبل المنتجين.

  ولطالما حرصت «أوبك» على الحوار الدائم والبنّاء بينها وبين الوكالة لضمان مصلحة كل الأطراف، وأيضاً تأمين استمرار النمو الاقتصادي العالمي الذي يعتمد بالأساس على الطاقة، دينامو الإنتاج الأساسي.

  وفي العامين الأخيرين، ومع تصعيد الولايات المتحدة انتقاداتها «لأوبك» بسبب قراراتها خفض الإنتاج لضبط توازن السوق، أصبحت تقارير وكالة الطاقة الدولية وتصريحات رئيسها تبتعد عن حقائق السوق والبيانات الواقعية، حتى تكاد تقترب من تصريحات السياسيين. وبدلاً من الحوار البنّاء لضمان استقرار السوق أصبحت رسائل الوكالة، خاصة من تصريحات فاتح بيرول، مصدر اضطراب للأسواق.

 المشكلة أن ما يصدر عن وكالة الطاقة الدولية أصبح يشوبه التناقض الواضح. فمن جهة تستبق الوكالة كل اجتماع «لأوبك» بتوقعات مرتفعة لنمو الطلب العالمي على النفط، وبالتالي رسالتها ضمناً أن أي خفض إنتاج سيقلل المعروض ويرفع السعار. وغالباً ما تأتي الوقائع عكس ذلك.

  وفي الوقت نفسه الذي توحي فيه ضمنا بضرورة زيادة الإنتاج، نجد رئيس الوكالة يجري حوارات ومقابلات صحفية يطالب فيها بضرورة تحول الاستثمارات في الطاقة بعيداً عن النفط والغاز إلى مصادر الطاقة المتجددة. ويتجاهل بيرول الاستثمارات الهائلة من قبل دول «أوبك» الرئيسية في مصادر الطاقة الخضراء، وأيضاً في تكنولوجيا تقليل الانبعاثات الكربونية.

  ربما يكون من الشطط تصور أن رئيس الوكالة يزايد على سياسيي أمريكا والغرب في انتقاد «أوبك»، حتى أنه يكاد يحمّلها المسؤولية عن ارتفاع معدلات التضخم العالمية. ويبدو التناقض واضحاً في استمرار ارتفاع معدلات التضخم رغم الهبوط المتكرر لأسعار الطاقة، من نفط وغاز، حتى أن أسعار الغاز في أوروبا الآن أصبحت تقارب ما كانت عليه قبل أزمة وباء كورونا. أما أسعار النفط فهي أدنى بكثير مما كانت عليه قبل عام وأكثر.

 ومع أهمية الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، وتقليل الانبعاثات الكربونية في سياق مكافحة التغيرات المناخية لكوكب الأرض، إلا أن الدعوة لعدم الاستثمار في النفط والغاز كارثية فعلاً. إذ  أن العالم مستمر في الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للطاقة لعقود مقبلة، ومن دون زيادة تدريجية في المعروض لتلبية الطلب ستكون الأضرار على النمو الاقتصادي العالمي هائلة.

 وإذا كانت دول أوبك الرئيسية تستثمر بالقدر الكافي في مجال الإنتاج والتكرير، فإن غياب الاستثمارات من الدول الصناعية المستهلكة سبب أساسي في الاختناقات التي تحدث أحياناً، في أسواق الطاقة، ويعاني منها الجمهور العادي بارتفاع أسعار البنزين والديزل. ويكفي أن نذكر أن آخر مصفاة تكرير معقولة الحجم دخلت الخدمة في الولايات المتحدة في سبعينات القرن الماضي. وأغلب الاستثمارات في قطاع التكرير هي استثمارات خليجية، حتى في الدول المستهلكة، من أمريكا إلى الهند والصين.

 حريّ بوكالة الطاقة الدولية ورئيسها أن يطالبوا المستهلكين بالاستثمار، على الأقل في قطاع التكرير والنقل. فهو يدرك، مثلما يدرك المنتجون في «أوبك»، أن النفط باق ما بقي النمو الاقتصادي العالمي، وأن الاستثمارات في مصادر الطاقة الأخرى لن تكون بديلاً للنفط والغاز لعقود طويلة مقبلة.

[email protected]

https://tinyurl.com/3cxhdc3d

عن الكاتب

يشتغل في الإعلام منذ ثلاثة عقود، وعمل في الصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزيون والصحافة الرقمية في عدد من المؤسسات الإعلامية منها البي بي سي وتلفزيون دبي وسكاي نيوز وصحيفة الخيلج. وساهم بانتظام بمقالات وتحليلات للعديد من المنشورات باللغتين العربية والإنجليزية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"