كتب - المحرر السياسي:
شكل تدمير سد نوفا كاخوفكا الواقع قرب مدينة خيرسون في الجنوب الأوكراني، نقطة تحول في الصراع الدائر منذ ما يقرب من 16 شهراً، في الوقت الذي يترقب العالم بدء الهجوم الأوكراني المضاد أو «هجوم الربيع» الذي بدأ فعلا، وربما يستمر أسابيع أو أشهراً حسب تعبير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بينما يقول الروس إنه فشل تماماً.
بين من يربط عملية التدمير بالهجوم ومن يفصلها عنه، تستمر الأطراف في تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن عملية تفجير سد نوفا كاخوفكا، التي كان لها آثارها على استراتيجيات العمل العسكري بغض النظر عمن نفذها.
ويرى الكثير من المحللين الغربيين أن التفجير شكل ضربة للاستراتيجية العسكرية للهجوم المضاد الذي تتحدث عنه كييف واستعدت له منذ أشهر. وقد اكتفى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالقول إن هناك عمليات دفاعية وهجومية مضادة ينفذها الجيش الأوكراني على الجبهة.
وقال المستشار الألماني أولاف شولتس حول تدمير سد كاخوفكا «إذا أخذنا بعين الاعتبار كافة العناصر، ينبغي أن نفترض أنها كانت هجمة روسية لوقف هجوم أوكرانيا الهادف إلى تحرير أرضها». وقال وزير الدفاع الروسي سيرغي تشويغو إن أوكرانيا تسعى إلى منع العمليات الهجومية للجيش الروسي في هذا الجزء من الجبهة من خلال تخريب السد.
الهجوم المضاد
وفيما يتعلق بالهجوم المضاد قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: «يمكننا التأكيد أن الهجوم بدأ، بدليل استخدام العدو احتياطيات استراتيجية، والمعارك مستمرة منذ خمسة أيام، لكن القوات الأوكرانية لم تحقق أهدافها في أي من ساحات المعارك وتكبدت خسائر كارثية».
وبغض النظر عن الطرف المسؤول عن التصعيد الجديد واستهداف البنية التحتية الحيوية، فمن المؤكد أنه سيكون لهذه الحلقة الجديدة من النزاع التي أجبرت عشرات الآلاف على النزوح من المنطقة المنكوبة، تأثير على مسار الحرب. وقال مسؤول عسكري في الجيش الأوكراني لصحيفة «فاينانشل تايمز»، إن ملايين الأمتار المكعبة من المياه التي تدفقت في نهر دنيبرو المتاخم للسد، أغرقت كل شيء، ما يعني أن عبور النهر في هذه النقطة بات مستحيلاً».
وكانت إحدى الفرضيات الخاصة بخطط الهجوم الأوكراني المضاد، تقوم على عبور قوات كييف نهر دنيبرو في منطقة خيرسون حيث يضيق مجرى النهر، والتقدم بأسرع ما يمكن نحو شبه جزيرة القرم. وكان الهدف قطع خطوط الإمداد الروسية التي تنطلق من شبه الجزيرة لدعم القوات المتمركزة في منطقة زابوريجيا وفي دونباس.
وجاء تفجير السد ليعطل تلك الخطة. وقال جيف هاون المتخصص في الشؤون العسكرية الروسية:«لقد عطل تفجير السد فرص عبور المدرعات الأوكرانية والعتاد الثقيل، ولا يزال بإمكان المشاة العبور، في مجموعات صغيرة».
وفقاً لهذا السيناريو، فإن تدمير السد يجب أن يدفع هيئة الأركان العامة الأوكرانية إلى إعادة التفكير في هجومها المضاد. كما يعود ذلك بفوائد جمة على الجيش الروسي الذي يستغل هذه الفجوة الزمنية في إعادة تنظيم دفاعاته.
ويرى خبراء من جامعة غلاسكو أن منطقة خيرسون ليست أفضل خيارات عبور نهر دنيبرو، لأن الأراضي هناك كثيرة المستنقعات. وحتى قبل الفيضانات، كان الأمر معقداً للغاية من الناحية اللوجستية، خاصة عندما يتعلق الأمر بتنظيم عبور المركبات الثقيلة والمدرّعة الضرورية لتنفيذ الهجوم المضاد.
ويمكن لموسكو اليوم أن تعيد نشر الدفاعات القليلة التي تحتفظ بها في هذه المنطقة، تحسباً لأي هجوم أوكراني، في موقع آخر، بدءاً من دونيتسك، التي يمكن أن تكون الآن الهدف الأكثر احتمالاً للهجوم الذي قد يلتف حول نهر دنيبرو، والزحف نحو ماريوبول، وهو هدف شديد الرمزية بالنسبة للجيش الأوكراني.
وفي جميع الأحوال بات من الصعب على الأوكرانيين الذين يقولون إنهم استعادوا سبع قرى من الأراضي التي تسيطر عليها روسيا جنوب شرقي مدينة زابوريجيا، متابعة شن الهجوم في ظل الصعوبات اللوجستية والإنسانية التي نتجت عن انهيار السد، ما قد يضطرهم إلى تأخير العمليات العسكرية حتى يتم تأمين السيطرة، والتحكم تماماً بالوضع في الأجزاء التي يسيطرون عليها في منطقة خيرسون.
إلا أن السلطات الأوكرانية، والتي تواجه ضغوطاً دولية، لا تستطيع تأجيل هجومها المضاد لفترة طويلة، وهي مضطرة لإثبات أن الدعم العسكري الدولي المتدفق عليها يحقق إنجازات على الأرض. وهذا يعني أن الهجوم المضاد يشكل أولوية قصوى على جدول أعمال الحكومة.
التحالف الغربي يضغط
ومن الواضح أن التحالف الغربي الذي يدعم أوكرانيا؛ بل ويحرضها على الاستمرار في الحرب ورفض مبادرات السلام، مصرٌّ على تحقيق نصر ضد الروس من أجل دفعهم إلى التفاوض بشروطه. فقد قال الرئيس ماكرون يوم الاثنين الماضي بحضور كل من المستشار الألماني أولاف شولتز والرئيس البولندي أندريه دودا في قصر الإليزيه، إن الهجوم المضاد الأوكراني الذي طال انتظاره ضد القوات الروسية سوف يستمر لأسابيع أو حتى شهور. وأضاف: «نريده أن يكون هجوماً ناجحاً قدر الإمكان، حتى نتمكن بعد ذلك من بدء مرحلة التفاوض في ظروف جيدة». وقد أعرب وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن عن موقف مماثل في حديثه أثناء المؤتمر الصحفي الذي عقده في واشنطن بحضور وزير خارجية إيطاليا أنطونيو تاجاني.
وبينما نشر الروس صوراً لرتل من المدرعات الألمانية والأمريكية المدمرة، كدليل على حجم الخسائر التي تكبدها الجيش الأوكراني في بداية هجومه، تشير التقارير إلى أن أي تقدم للقوات المهاجمة سيكون باهظ التكاليف. وقد يعيدنا ذلك إلى نفس الدوامة من الهجمات والهجمات المضادة التي تبادلها الطرفان، على مدى 15 شهراً وسط تغيير محدود في تموضع القوات على الأرض. ولعل هذا ما يفسر لجوء الطرفين للتصعيد باستهداف السدود والمنشآت الحيوية، خاصة تهديد محطة زابوريجيا النووية ما ينذر بخروج الأزمة عن السيطرة.
وقد أشار بوتين صراحة إلى أن بلاده تواجه ظرفاً صعباً، لكنه أكد فشل الهجوم الأوكراني حتى الآن. ومن الواضح أن إصرار الغرب على إلحاق الهزيمة بروسيا، سوف يضطرها لاستخدام كل ما لديها من وسائل للدفاع عن أراضيها.