• كوميديا بلا تهريج ولا افتعال أو استظراف
  • يتناول تأثير «الترند» ومصير العائلة

مارلين سلوم
أفلام العيد تعادل وبشكل تلقائي في عيون الناس «الكوميديا»، وهذا التصنيف نادراً ما يتضمن في طياته دراما وقضية اجتماعية جادة ومهمة جداً يعالجها بإطار من البسمة والضحك؛ لذلك يُعد فيلم «بيت الروبي» الذي سبق العيد إلى الصالات السينمائية بأيام قليلة في خطوة جريئة وذكية كي ينال حقه من العرض ويتمكن من كسب الجمهور قبل زحمة أفلام العيد، مميزاً والأصح القول إنه درامي- كوميدي، يعالج قضية عصرية جداً ومهمة جداً، إنما بخفة تجعله الأفضل و«الرقم واحد» ليس في الإيرادات فقط؛ بل كعمل متكامل وكوميديا جادة نادرة الوجود في زمننا هذا.

أول ما يلفتك ويدعوك لدخول «بيت الروبي» وجود الكريمين معاً، كريم عبد العزيز وكريم محمود عبد العزيز، وكلاهما مشهور بحب الجمهور له وخفة ظله ليس في التمثيل فقط؛ بل في طبيعته وسرعة بديهته وتلقائيته في الأداء، ويزيدك ثقة بأن هذا العمل مختلف ومميز، اسم المخرج الدكتور بيتر ميمي صاحب النجاحات المتتالية تلفزيونياً وسينمائياً (الاختيار، من أجل زيكو، كازابلانكا وغيرها..) وهذه المرة أيضاً تتأكد أنه يجيد الاختيار، والكوميديا التي يقدمها لا بد أن تحمل عمقاً، كوميديا بمفهومها الفني الحقيقي، لا يوجد فيها أي تهريج ولا افتعال ولا استظراف أو استخفاف.

كل هذا لا يكتمل إن لم يكن النص جيداً والقصة منطقية واقعية قريبة من عقل وقلب الجمهور، محمد الدباح وريم القماش صنعا من «بيت الروبي» حكاية موجودة في كل بيت، يعيشها كل الناس وتمسنا بشكل أو بآخر، ليس جديداً التطرق إلى السوشيال ميديا وصناعة النجوم بلمح البصر لمجرد ظهورهم وتحولهم إلى «ترند» حتى ولو من غير علمهم أو قصدهم، إنما الجديد هو تناول تأثير هذه الوسائل والهوس بها في الكبار والعائلات وفي الحياة وتغيير المصير.. يحكي لنا المؤلفان قصة عائلة الروبي، وهما الشقيقان إبراهيم (كريم عبد العزيز) وإيهاب (كريم محمود عبد العزيز). يعيش إبراهيم وزوجته إيمان (نور اللبنانية) مع طفليهما شريف (معاذ جاد) وشمس (لوسيندا) بعيداً عن القاهرة، ونحسب أنهم اختاروا الإقامة منذ سبعة أعوام في منطقة ساحلية بعيدة جداً (نويبع) هرباً من ضوضاء المدينة وصخب الحياة فيها، لكن وصول إيهاب وزوجته بهيرة (تارا عماد) المفاجئ، وهي حامل يبدو مفرحاً ومربكاً في آن، ونظرات الزوجين إبراهيم وإيمان وانزعاجهما من كثرة استخدام بهيرة هاتفها لتصوير كل تفاصيل حياتها وبنقل مباشر لتري معجبيها ماذا تأكل وماذا تفعل وأين تذهب؟ فما السر الذي يخفيه الزوجان، ولماذا يقلق إبراهيم حين يطلب منه شقيقه مرافقته إلى القاهرة ليومين فقط من أجل إتمام معاملة الميراث، كي يتمكن إيهاب من التصرف في صالون الحلاقة والتجميل الذي تركه له والده وقام هو بتطويره والعمل فيه لسنوات؟

لعبة التكهنات

لا يطيل المؤلفان ولا المخرج لعبة التكهنات بعد موافقة إبراهيم على مضض مرافقة إيهاب فيذهب الجميع في سيارة واحدة وتنطلق المغامرات التي يمتزج فيها الضحك مع الحزن والقلق، ونكتشف أن سبب هروب إبراهيم وعائلته يعود لحادثة حصلت قبل سبعة أعوام؛ حيث اتهم رجل الدكتورة إيمان بقتل زوجته وطفلهما أثناء الولادة، وتناقل الناس الخبر على السوشيال ميديا، وظهر زوجها إبراهيم مدافعاً عنها، ومانعاً أحدهم من مطاردتها وتصويرها بهاتفه النقال. العودة إلى القاهرة والزحمة وتصرفات الناس بأنانية وعدائية والعنف في التصرفات والألفاظ.. ينقلها إليك المخرج بدقة فتشعر بها وكأنك أنت الآتي من الصحراء والسكينة وإيقاع الحياة الهادئ إلى قلب الضوضاء والصخب. بين توتر ومواقف مضحكة يذهب الأخوان الروبي للقاء المحامي جودت (حاتم صلاح) فيطلب منهما الحصول على توقيع ابن عمهما عبد الجواد أو بيبو (محمد عبد الرحمن) كي ينهي معاملات الإرث، ولأن بيبو يعيش صراعاً مع خطيبته وأهلها، وهو عاطل عن العمل وظيفته «شاهد زور»، يجد إبراهيم وإيهاب أنهما قد تورطا في مشاكل يخرجان منها بصعوبة وبخفة ظل.

كثير من الواقعية

كل القضايا التي يتطرق لها الفيلم ابنة هذا العصر، وتجسده بكثير من الواقعية، الحكم المباشر أو المسبق على الناس من دون التأكد من المعلومة أو الاستفسار والبحث عن الحقيقة، نشر التفاهة والتهليل لها وجعلها «ترند» بسرعة البرق، المرأة التي تصور مقاطع فيديو عارضة مفاتنها وهي تقدم وصفات طهي، تصوير أي شخص يغني أي كلمات يجعله مشهوراً؛ بل يجعله «نجماً» أياً كان ما يغنيه، أي خلاف في الشارع قد يصبح «ترند»، شركات تسويق تصطاد المميزين على السوشيال ميديا، لتصنع منهم «مؤثرين» وتلاحقهم بعروض مغرية ثم تصورهم وفق سيناريو تضعه لهم، وهي تتلاعب بهم، فتعيد فتح ملفاتهم القديمة، كي تثير المتابعين على السوشيال ميديا، وكلما زاد التنمر على «النجم» حقق شهرة وانتشاراً في مفهوم هذه الشركات، وهي التي تفتعل التنمر حيناً وتطفئ نيرانه أحياناً..

من العبارات التي تستوقفك في الفيلم قول إيهاب «ربنا يجيب الأونطة اللي بيحبها الناس» في إشارة إلى التفاهة التي جعلت من أخيه نجماً في لحظات، ثم قوله «الناس كده بتطلعك لآخر سما وبتنزلك لسابع أرض».. كذلك تستوقفك كلمة إبراهيم وهو ينظر إلى هاتفه محاولاً منع نفسه من النظر إليه على الرغم من كثرة رنينه عند تلقيه رسائل المعجبين: «أنا مش كلب عشان أول ما تصفر لي أجري عليك».. وقوله إننا لكثرة ما بتنا نعرف كل شيء وكل المعلومات متوفرة للجميع ونعلم مسبقاً متى ستمطر وماذا سيحصل، حين تفاجئنا الحياة بأي شيء نرتعب ونرتبك..

وسائل التواصل الاجتماعي تتلاعب بالناس، وقادرة على تدمير حياتهم كما تستطيع أن تفيدهم بشكل إيجابي، خلاصة يصل إليها المؤلفان، والمخرج يقدم مشاهد رائعة تعبر عن كل موقف بدقة، سواء في الفرح والغناء والضحك أو في الحزن والقلق والضياع.. التصوير الداخلي كما الخارجي يعكس جمالاً ومواقف إنسانية ويحكي بلغة الكاميرا عن المشاعر فتصل إلى الجمهور ويتفاعل معها.

غني الفيلم بالمواقف المؤثرة والمضحكة، بعيد جداً عن الملل؛ بل تتمنى لو يطول قليلاً؛ أغنية «سمع هوس» -وهي أغنية الفيلم- ناجحة هي أيضاً في محاكاة أغاني هذا الزمن ويغنيها كريم وكريم يرافقان فيها محمود العسيلي.

أداء ناجح

من ناحية الأداء لا بد من تقديم تحية للنجم كريم عبد العزيز المتفوق في أي دور يتحمل مسؤوليته، وفي أي فيلم يشارك فيه، في «كيرة والجن» هو مناضل وجاد ولا يختلف بروحه وسلاسة أدائه وصدقه وتميزه عن أي دور كوميدي يؤديه مثلما هو في «بيت الروبي»؛ وقد شكل مع كريم محمود عبد العزيز ثنائياً متناغماً جداً، وهذا الأخير يؤكد عملاً بعد آخر أنه موهوب حتى النخاع ويستحق فرصاً كثيرة للتواجد باستمرار في السينما والتلفزيون.. نور كعادتها متألقة وتارا جيدة، وضيوف الشرف يشكلون إضافة في هذا العمل، طه دسوقي، شريف دسوقي، مصطفى أبو سريع، سارة عبد الرحمن، ولا شك أن للطفلين معاذ ولوسيندا حضورهما اللافت والمحبب.
[email protected]