مارلين سلوم
في حديثنا عن هذا الفيلم تحديداً، يتجه الرأي في مسارين منفصلين- متصلين، المسار الأول هو مكان تصوير الفيلم في جدة و«العلا» في السعودية ووجود شراكة في الإنتاج لاستوديوهات «إم بي سي» وما تعنيه هذه الشراكة وهذا المكان، حين يتعلق الأمر بتصوير فيلم أمريكي يتناول جانباً من جوانب الواقع السياسي والعسكري والأمني في إيران وأفغانستان، أما المسار الثاني فهو الجانب الفني لكل ما يتعلق بالفيلم وتفاصيله وبطله الذي يرتبط اسمه أكثر فأكثر بالمهمات الصعبة والتي تتطلب وجود مقاتل شرس ورجل يضع الجانب الإنساني في كل دور يؤديه جزءاً لا يتجزأ من أولوياته؛ وهنا نتحدث عن جيرارد بتلر وفيلم «قندهار».

أكشن، جريمة، حرب، كل تلك التصنيفات تنطبق على «قندهار»، الذي يوحي لك في البداية أنه سيحكي قصة من قصص الحرب والإرهاب من ملفات المخابرات الأمريكية أو عن قصة حقيقية عاشها أحد الجنود الأمريكيين؛ ويتأكد ظنك حين تعلم أن مؤلفه هو ضابط المخابرات العسكرية السابق ميتشل لافورتون، الذي كتب عن تجربته الشخصية وما عاشه خلال تسريبات سنودن عام 2013.

طبعاً هذه المعلومات تضفي شيئاً من المصداقية على الفيلم، لكن للأسف تدخلات هوليوود والبهارات التي تضعها على الأفلام، لاسيما تلك التي تتضمن رسائل سياسية، تفوق الحقائق، بل وتطغى عليها بشكل لافت ينقل المشاهدين من مرحلة التصديق والتأثر والتفاعل مع الأحداث إلى مرحلة التعامل مع المشهد كعمل درامي فني وفبركة هوليوودية بطولية «حالمة» حيناً و«خارقة» أحياناً.

أرض الأحداث والانتصار

من اسمه تعلم إلى أي اتجاه يأخذك الفيلم، لكن قندهار لن تكون هي أرض الأحداث منذ البداية، بل هي أرض الانتصار بالنسبة للبطل في النهاية. أول مشهد من «قم» في إيران، (طبعاً التصوير بالكامل كان على أرض المملكة العربية السعودية بين العلا وجدة)، توم هاريس (جيرارد بتلر) يدعي أنه يقوم بتوصيل كابلات الإنترنت تحت الأرض ويعمل مع صديقه أوليفر (توم رايس هاريس) في شركة «سيبليكس»، هذا ما يقنع به الجنود الذين يحيطون بالمكان، وما هي إلا دقائق بعد وصول توم وزميله إلى مقرهما حتى نكتشف أن توم هو عميل سري بريطاني تمت استعارته من وكالة المخابرات البريطانية ليعمل لدى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وقام للتو بتفجير المحطة النووية السرية في إيران، والمفروض أن يعود إلى دياره ما إن تنتهي المهمة، لذلك يعد عدته ويسافر إلى دبي حيث يقيم زميله رومان (ترافيز فيمل)، لينتقل منها إلى بلده حيث تنتظره ابنته إيدا (أوليفيا ماي باريت)، ليكون معها في يوم تخرجها؛ وكمعظم الأفلام الأمريكية، لا بد أن تكون العودة صعبة، ولم شمل الأسرة مجدداً على المحك، ويبثون القلق في نفوس المشاهدين حتى اللحظة الأخيرة حول مصير البطل وأسرته، ويلعبون على العواطف تماماً كما حصل في آخر أفلام بتلر «بلاين» أو «طائرة» الذي شاهدناه بداية هذا العام أي في يناير الماضي، وكان البطل ينهي مهمته كقائد طائرة ليتجه بعدها للقاء ابنته ليلة رأس السنة وبعد غياب طويل.

مهمة أخيرة

رومان يخبئ مفاجأة من نوع آخر لتوم، حيث يطلب منه القيام بمهمة أخيرة في أفغانستان مدتها ثلاثة أيام فقط، ويرافقه فيها محمد مود الملقب ب «مو» (نافيد نيجاهبان) كمترجم، يوافق وينتقل فوراً إلى أفغانستان أو كما يقولون أفغانستان الجديدة، حيث الجثث معلقة في الشوارع، والحذر يسيطر في كل مكان.. لكن الأمور هنا لا تجري وفق المخطط المرسوم لها، حيث يتم اكتشاف أمر توم ويخبره رومان بإلغاء المهمة وبمقتل أوليفر واختطاف الصحفية لونا (نينا توسانت وايت) لامتلاكها معلومات خطيرة تصلها من مصدر داخل البنتاغون؛ المطلوب الآن إخراج توم من قندهار مع آخر طائرة ستقل الجالية البريطانية، لكن لا بد من جرعات عالية من الأكشن والمعارك والوصول إلى حافة الخطر بل الموت.

قيادة مجلس شورى طالبان، مقر وكالة الاستخبارات الأفغانية، داعش، طالبان، وكالة الاستخبارات المركزية.. والمسيطر من بعيد والمتفرج غالباً والمتحكم ب «اللعبة» والمتدخل ليحسم الأمور وعن بُعد في الوقت المناسب هي قيادة الاستخبارات المركزية؛ تشعر أحياناً بأنك تائه بين كل تلك الأطراف، وكل تلك الشخصيات خصوصاً أن البطل واحد ويحارب على أكثر من جبهة ويبدو مناضلاً بشرف وأحياناً يضطر إلى الكذب على مرافقه مو، كي يتمكن من إتمام مهمته السرية أو للفرار والنجاة علماً بأن الأعداء كثر ومن بينهم مطاردته الآن من قبل رجل أمن إيراني كبير فزراد أسدي (بهادور فولادي)، ورئيس فريق النخبة كحيل (علي فضل)، وعناصر مختلفة من طالبان وداعش.. بل تتلاقى مصالح الأعداء للتخلص من توم وفق مقولة «عدو عدوي هو صديقي».

المختلف في شخصية البطل التي يؤديها بتلر هنا، أنه يبدو طيباً وشريراً في عيني الأشخاص الأبرياء غير العسكريين وغير المنتمين إلى أي طرف، مثل مو الرجل الباحث عن شقيقة زوجته ويشعر بأن توم استغله أكثر من مرة، ليتمكن من كسب المعركة والخروج سالماً من قندهار؛ والأهم أن الاختلاف هذه المرة هو في نظرة هوليوود للإسلام وللمتطرفين والإرهابيين.

صورة مختلفة

أهم ما في الفيلم أنه يقدم صورة مختلفة وحواراً غير عدائياً، بل وكأنه يعتذر عن سوء فهم وسوء التمييز بين الناس المدنيين الأبرياء وبين المتطرفين والحزبيين، وأن هناك فئات كثيرة متضررة مما يحصل؛ فيلم يصالح الإسلام ويعري الإرهابيين، بل يؤكد تضامن كل الأطراف المخربة حيث تقتضي مصالحهم؛ جيرارد بتلر مناسب للشخصية، لكن المخرج جعله «بطلاً خارقاً» خصوصاً في قتاله مع الشرطة وإسقاطه الطائرة المروحية والمطاردات في الصحراء وفي السوق وأينما كان، وتصديه بمسدس رشاش أو مسدس صغير لإرهابيين متمرسين في القتال في الصحراء!.. المخرج نجح في التصوير الخارجي في الصحراء وبين الجبال والتصوير من أعلى.. لكنه قدم أكشن ضعيف ومبالغ فيه أحياناً، نجح في جذبنا إلى بعض الإثارة والتشويق أكثر من نجاحه في تصوير المعارك القتالية.

معانٍ إنسانية

يفرّق الفيلم بين الدين والأشخاص الأبرياء المسالمين من جهة، والأحزاب والمنظمات والإرهابيين من جهة أخرى.. وفي الحوارات ما يدل على هذه المعاني الإنسانية المهمة والتغيرات السياسية البارزة، مثل قول مو لتوم بعتب وغضب «إسماعيل قتل ابني ودمّر بلدتي بسبب مساعدتكم ودعمكم له» ورد توم: «الحرب القديمة كانت من أجل الغنائم.. الحرب الحديثة ليست للانتصار»، وفي مكان آخر يقول: «نحن نعتمد عليكم، اللغة، الثقافة.. تخاطرون بحياتكم من أجلنا، ونحن نعلمكم كيف يجب أن يكون بلدكم».. ويعتذر لمو أكثر من مرة بسبب توريطه في هذه المهمة «المستحيلة».
[email protected]