مارلين سلوم

بعض الأسماء في صناعة السينما العالمية أصبحت «علامة للجودة»، فحين تذكرها في تخصص ما، يذهب تفكيرك مباشرة إلى الحرفية والإتقان والابتكار والإبهار في صناعة الأفلام، هكذا يقترن اسم «ديزني» و«بيكسار» (التي ضمتها إليها ديزني حين اشترتها عام 2006) بكل ما له علاقة بعالم الرسوم المتحركة وأفلام الكرتون وتطويرها والخروج بها عن إطار المألوف والقصص التقليدية للشخصيات المعروفة لدى ديزني، وحين تقول «إليمنتال» أو «عنصري» المعروض في الصالات، فأنت تقول صناعة للأنيميشن مختلفة وابتكار في القصة وإبهار في الإخراج والتقنيات، فهل تحقق كل ذلك في الفيلم، ويمكن اعتباره نقلة في تاريخ الشركة المنتجة، أم أنه خذل الجمهور، خصوصاً أنه موجّه إلى كل أفراد الأسرة لا للأطفال فقط؟

بعد أفلام بحجم «توي ستوري» و«رتاتوي» و«إنسايد أوت» وغيرها من الأعمال شديدة التميز، والتي استحق كثير منها جوائز مثل «الأوسكار»، من المتوقع أن ترفع «بيكسار» ومعها «ديزني» سقف التحدي لتقدم فيلماً مختلفاً تماماً، سواء من ناحية الفكرة والقصة أو من ناحية التقنيات والإخراج والجرافيك، وربما بسبب كل هذه التوقعات والآمال التي يعلقها الجمهور، يشعر من يشاهد «إلمينتال» بشيء من الخيبة تقابلها جرعة من المتعة، ما يجعل الفيلم ناجحاً في المجمل، ومحبوباً من قِبل الصغار والشباب أكثر من الكبار.

المعايير التي تضعها عادة «بيكسار» لتقديم أفلامها موجودة في هذا العمل، حيث تجد الفيلم ذكياً، يحرّض العقل على التفكير. القصة أصلية، أي أنها مكتوبة خصيصاً لهذا العمل، وغير مأخوذة عن عمل سابق أو عن قصة قديمة مفعمة بالمؤثرات العاطفية التي تحرك مشاعر الناس، ليتعاطفوا مع الشخصيات ويفرحوا لفرحهم ويحزنوا لحزنهم ويقلقوا على مصيرهم، كما أنها تحلّق بالخيال عالياً. الرسوم والألوان دائماً باهرة، والرسالة الإنسانية واضحة ويتلقفها الجمهور بشكل غير مباشر. إذاً أين الخلل في هذا العمل طالما توفرت فيه كل تلك المعايير وكل هذا الإتقان؟ أهم نقطة ضعف في «إلمينتال» أنه يشبه إلى حد بعيد فيلمين سبق أن شاهدهما الجمهور وأحبهما كثيراً، لدرجة أنهما يعتبران من العلامات الفارقة في تاريخ «ديزني» وفي تاريخ السينما العالمية وخصوصاً الأنيميشن، ولا يمكن نسيانهما، «إنسايد أوت» (عام 2015) و«زوتوبيا» (عام 2016)!

كأن جون هوبرج وكات ليكيل وبريندا هسويه، لم يجدوا أفقاً أوسع للانطلاق نحوه من أجل كتابة قصة «إليمنتال»، وضعوا فكرة جيدة ترتكز على تجسيد العناصر الأساسية في الحياة، الماء والنار والهواء والأرض، جعلوها ناطقة، وكأنها كائنات تعيش وتتكلم وتتفاعل مثل البشر، وتلك الأشياء المتناقضة تتكامل لتكتمل بها الحياة على وجه الأرض، ولعب المؤلفون على فكرة التناقض والتكامل، والفكر العنصري، بانحياز كل عنصر للفئة التي ينتمي إليها، وخوفه من الآخر وقلقه منه، لتنتهي الأحداث بكسر تلك الحدود والإقبال على الانفتاح والاتحاد وتقبّل الآخر كما هو واكتشاف الذات وتحقيق الطموحات والأحلام. جميلة الرسالة ومعانيها، وجميل التركيز على فكرة التكامل بين كل الأشياء الموجودة على هذا الكوكب، حتى ولو كانت سعادتنا بالفيلم غير مكتملة؛ لكثرة ما يذكّرنا، وفي كثير من المواقف وفي تفكير الشخصيات الرئيسية وأسلوب تفاعلها، بشخصيات فيلم «إنسايد أوت».

المخرج كوري الأصل بيتر سوهن، اختار أن ينقل إلى السينما تجربته الشخصية، فالفيلم بجزء منه مأخوذ عن حياة سوهن ووالديه اللذين هاجرا من كوريا إلى الولايات المتحدة وهما لا يتحدثان كلمة واحدة بالإنجليزية، ليستقرا في برونكس، وافتتحا مثل عائلة أمبر متجراً للبقالة يحمل اسم «سوهن للخضار والفاكهة»، أراد المخرج صنع فيلم عن أهمية استيعاب الآخر، ما حفزه على تقديم المزيد من الأفكار الإبداعية، والمعروف أن بيتر سوهن انضم إلى استوديوهات «بيكسار» للرسوم المتحركة في سبتمبر 2000، حيث عمل في الأقسام الفنية والكتابة وتسجيل الصوت، وكانت من أبرز مشاركاته، كتابة فيلم «البحث عن نيمو» الحائز على جائزة الأوسكار، ثم كرّت السبحة ليقدم مجموعة أعمال مع الشركة، ويعد فيلم «بارتلي كلاودي» أول أفلامه كمخرج. وفي «إليمنتال» قدم صورة جميلة، لكنه لم يقدّم جديداً يضاف إلى الشركة، يختلف عن ما سبق أن قدمته.

انطلاق الأحداث

«إليمنت سيتي» مدينة مترامية الأطراف يعيش فيها السكان المصنوعون، كما ذكرنا، من نار وماء وهواء وأرض، كل ينتمي إلى بيئته وعالمه ويعيش في أحياء منفصلة تماماً، ومن هنا تنطلق الأحداث لتتعقد في مكان ما، فتبين مدى أهمية احتياج كل منهم إلى الآخر، ويجسد الدورين الرئيسيين كل من أمبر (ليا موس) الفتاة المصنوعة من نار، وويد (مامودو آثي) المصنوع من ماء. هي تشتعل غضباً وسريعة الانفعال، بينما هو هادئ ورومانسي وعاطفي جداً، كائنات تعيش في مدينة مصممة خصيصاً لتتناسب مع طبيعتهم الجيلاتينية، بينما يتم عزل قوم النار في «فايرتاون»، اللافت أن مدينة إليمنت تبدو وكأنها تجمع الشعوب والقارات على أرضها، من الشرق الأوسط وأوروبا وشرق آسيا، بلهجات متعددة، وكل يعبّر عن بيئته وطبيعته، المائيون يفيضون بالمشاعر وتتدفق الدموع من عيونهم كالشلالات، الهوائيون يلعبون ب «كرة الهواء»، أبناء الأرض ينبتون زهوراً، وأهل النار يشتعلون ويتأججون، وحين غضبت مثلاً أمبر جعلت المكان كله لهيباً، فتفجرت أنابيب المياه، ليخرج منها ويد ويلتقيان لأول مرة.

سريعة الغضب

ويد هو مندوب الصحة، يقرر أن يكتب تقريراً عن ما تسببت به أمبر من أضرار، لكنه حين يتقرب منها، يتفهم سبب غضبها، وأن ما فعلته كان رغماً عنها، فهي سريعة الغضب بطبيعتها، لذا تمنحهما المسؤولة جايل (ويندي ماك لندن كوفي)، مهلة لإصلاح الأمر وإلا ستضطر إلى إغلاق متجر والد أمبر أتري بيرني (روني ديل كارمن) ووالدتها فاش سيندير (شيلا أومي) اللذين يصران على تسليمه لابنتهما كي تديره مكان والدها. رحلة أمبر وويد تنتج عنها عدة مواقف يكتشف خلالها كل منهما مواصفات ومميزات الآخر، تدخل أمبر عالم ويد المائي، كما تكتشف ما لديها من قدرات وهوايات، مثل القدرة على تسخين منطاد الهواء، ونفخ وتشكيل قوالب وأواني الزجاج بيديها. ومن قلب عالم الماء وأهل ويد، تتفتح عينا الفتاة النارية على أهمية معرفة ما تريد فعله في حياتها كي تعيش سعيدة، وتتأكد من أنها لا تريد إدارة متجر والدها، بل صناعة الأواني الزجاجية الجميلة والعمل بتفنن.

إن النار والماء لا يلتقيان ولا ينسجمان، أحدهما يلغي الآخر، فكيف يتمكن هذا الثنائي من المضي في قصة حبهما؟ هنا يتدخل سحر ديزني كالمعتاد، ليجعل من الحب المعجزة التي تحوّل كل ما هو مستحيل إلى ممكن، ويلتقي المتناقضان ليكونا أول نموذج من نار وماء يعيش قصة حب ويقررا مواصلة الحياة معاً.

[email protected]