«الخليج» - متابعات

تحتفل مصر بالذكري المئوية لرحيل فنان الشعب المغني والملحن وصاحب لقب «أبو الموسيقى الشعبية المصرية» سيد درويش، والذي ولد في 17 مارس 1892 وتوفي في 10 سبتمبر 1923.

وتنظم العديد من المؤسسات الثقافية والفنية والمجتمع المدني احتفالات بهذه الذكرى، من بينها وزارة الثقافة المصرية ونقابة الموسيقيين المصرية، ونقابة الصحفيين المصريين وتشمل الاحتفالات فعاليات مختلفة بعضها يستمر أسبوعاً، فمن هو فنان الشعب؟

ولد سيد درويش في 17 مارس عام 1892 باﻹسكندرية لأسرة متوسطة الحال، والتحق وهو في الخامسة من عمره بأحد الكتاتيب ليتلقى العلم ويحفظ القرآن الكريم، وبعد وفاة والده وهو في السابعة من عمره، ألحقته والدته بإحدى المدارس، حيث بدأت موهبته الفنية تبزغ في المدرسة التي كان ينشد فيها مع أصدقائه وزملائه ألحان الشيخ سلامة حجازي والشيخ حسن الأزهري ثم بدأ يغني في المقاهي.

نشأة بسيطة مع وفاة الأب

كان والد سيد درويش كباقي البسطاء من المصريين آنذاك، يريد أن يري أبنه شيخاً معمماً يحفظ القرآن ويجوده، وأدخله كُتاب «حسن حلاوة» بحي كوم الدكة الذي يقطنه مع أسرته، فتعلم مبادئ القراءة والكتابة وحفظ ما تيسر من القرآن الكريم، وكان شغوفاً في طفولته بالاستماع إلى الشيوخ الذين يحيون المولد النبوي في مصر، ويحفظ عنهم ويقلدهم أمام أطفال الحي.

وفي سن العاشرة، وبعد وفاة الوالد، ظهرت على سيد دريش الفتى الصغير، ملامح إجادة الأناشيد الحماسية في مدرسة «سامي أفندي» التي ارتادها بعد فترة من تعلم تجويد القرآن بأحد الكتاتيب، والقراءة والكتابة وتعلق قلبه بالغناء رغم أن ذلك أغضب الكثيرين من حوله، ولاسيما والدته التي أرادت أن يحذو حذو حلم والده الذي كان يمهد له طريقاً مغايراً وبعيداً عن درب الفن، ونقلته إلى مدرسة أولية (ابتدائية) تصادف من كان فيها معلم يهتم بتحفيظ الأطفال الأناشيد الدينية والقومية، واهتم بالاستماع إلى مشاهير الشيوخ المقرئين والمطربين.

الموسيقي ملاذ من الفقر

ورغم تضييق الخناق عليه من الأسرة البسيطة والمجتمع المحيط به، إلا أن سيد درويش كان يري أن في الموسيقي ملاذه للهروب من واقع مؤلم يحيطه الفقر وضيق الحال وتردي الأوضاع، خصوصاً أن تلك الظروف بقسوتها أجبرته على العمل وهو في سن مبكرة في مهن أثقل ما يكون على طفل لما يتجاوز العاشرة من عمره، ولكنه كان يتأقلم مع الوضع بإنشاد الأغاني ليشجع نفسه ورفاقه.

ومع العودة للدراسة بعد إجازة ملأى بالإرهاق من ثقل العمل على أظفارة الناعمة، بدأ سيد درويش، ينشد مع أصدقائه ألحان الشيخ سلامة حجازي والشيخ حسن الأزهري، ثم التحق بالمعهد الديني في الإسكندرية عام 1905 وواصل الغناء في المقاهي التي ساهمت في تقديمه للجماهير.

رحلته إلى الشام

صوت سيد درويش وإجادته للغناء، وجدت استحسان آذان سليم وأمين عطا الله، صاحبي فرقة تمثيل مسرحية، كانا بالصدفة يجلسان في مقهى قريب من الموقع الذي كان يعمل فيه سيد درويش، واتفقا معه على أن يرافقهما في رحلة فنية إلى الشام، في نهاية عام 1908، ورغم أنه لم يحقق خلالها النجاح المرجو، إلا أنها كانت رحلة مدرسية مفتوحة، حيث سافر للعراق ليتعلم الكثير من أسس الموسيقى وينهل من فنون عثمان الموصلي الشاعر والعالم بفنون الموسيقى.

وتعلم درويش الموشحات واطلع على التراث العربي، ثم عاد أدراجه إلى الشام مرة أخرى، لكن بنجاح لافت واستقبال مميز من الجمهور، لتكون نقطة التحول الأولى في حياة سيد درويش.

العودة للديار

عاد سيد درويش إلى الإسكندرية يغني لجمهور غير قليل، مقدماً ألحانه وتميز عن غيره من الملحنين بإيقاعه الخاص، ورغم أن التعارف مع الجمهور لم يكن سهلًا، إذ رفض البعض أسلوبه الجديد، مضى الملحن الشاب في طريقه، ليلتقي مع نقطة التحول الثانية في حياته المتمثلة بلقائه بالمؤلف المسرحي بديع خيري حيث تعاونا معاً قبل أن يتعارفا وتتوثق صداقتهما وينشأ الانسجام الفني.

وتعود قصة تعارفهما إلى فكرة طرأت في ذهن المسرحي اللبناني جورج أبيض الذي أراد أن يتوسع في المسرح الضاحك الفكاهي، وبلغت مسامعه أن هناك فتى شاباً في الإسكندرية له أسلوب موسيقى مختلف، واستدعاه ليتعاون معه في مسرحية «فيروز شاه».

أول أوبريت

وقبل سيد درويش هذه المهمة وانتقل إلى القاهرة وألف ألحان هذا الأوبريت الذي مثل مدخلاً جديداً تماماً على الموسيقى العربية، ولم تلبث أن أخذ الناس يرددونها وخصوصاً الفنانين المشتغلين في المسارح الغنائية الأخرى، وسمع نجيب الريحاني بعض أفراد فرقته يغنون في أوقات راحتهم بين البروفات ألحاناً غريبة وجديدة فسألهم عنها ولما عرف قصة هذا الملحن الجديد أسرع بالتعاقد معه، ليلحن له أوبريتاته وألف له ألحان ثاني أوبريت وأسمه (ولو).

قمة المجد

وأحدث العمل الثاني لدرويش ظاهرة غريبة، إذ انتشرت ألحان هذه الرواية الثانية انتشاراً هائلاً حتى كان يرددها الأطفال في الشوارع والعمال في المصانع والفلاحون في حقول الريف، ولذلك تهافت عليه أصحاب الفرق فكان يؤلف لهم ما يطلبونه، إذا أعجبه موضوع الرواية وأعجبه الشعر الشعبي للألحان.

وذاع صيت درويش وكانت هناك 4 فرق وعدة صالات للغناء تقدم أوبريتات من تلحينه في القاهرة.

مؤلفاته

في الفترة القصيرة بين حضوره إلى القاهرة سنة 1917 وبين وفاته في 15/سبتمبر سنة 1923 وضع ألحان 22 أوبريت والفصل الأول من أول أوبرا شرع في تلحينها بعنوان (كليوباترا ومارك أنطونيو).

وخلال حياته الفنية بين الإسكندرية والقاهرة ألف عشرة أدوار للتخت، وهي عبارة عن سيمفونيات عربية و17 موشحاً على النمط القديم، ولكن بروح جديدة إلى جانب 50 طقطوقة (وهي الأغاني الخفيفة).

قاوم الاستعمار بالفن

كان سيد درويش من أوائل الفنانين الذين ربطوا الفن بالسياسة والحياة الاجتماعية وقاوم الظلم والاستعمار بالفن، وساند الطبقات الشعبية والفقيرة وعبر عنها بالفن، فغنى «قوم يا مصرى» أثناء ثورة 1919، كما غنى نشيد «بلادي بلادي» الذي اقتبس فيه بعضاً من كلمات الزعيم الراحل مصطفى كامل، واستخدم الفن والموسيقى في الجهاد الوطني والإصلاح الاجتماعي.

وجعل درويش من الغناء وسيلة للجهاد الوطني والإصلاح الاجتماعي إلى جانب الطرب فلحن (أنا المصري كريم العنصرين... بنيت المجد بين الأهرامين)، وغنى لمجتمع العمال بجميع أطيافه ومواقعة من أقصى شمال مصر إلى أقصى جنوبها في الصعيد.

رحيل مأساوي

في منتصف سبتمبر /أيلول سنة 1923 سافر إلى الإسكندرية ليكون في استقبال سعد زغلول الزعيم الوطني العائد من المنفى، وليحفظ طلاب وطالبات المدارس النشيد الذي لحنه لاستقباله، ولكنه أصيب بنوبة قلبية مفاجئة مساء 14 سبتمبر ومات فجر اليوم التالي في بيت شقيقته.

ولم يشعر أحد برحيله وسط الاحتفالات الشعبية والمهرجانات الوطنية المقامة في الإسكندرية لاستقبال سعد زغلول.

وشيعت جنازته في احتفال متواضع لم يشيعه فيه إلا عدد قليل جداً من أهله وأصدقائه، حيث ووري الثرى أعظم عبقرية فنية مصرية ظهرت في العصر الحديث.