القاهرة: «الخليج»

تعكس فنون صناعة «الأرابيسك» في مصر، مدى عظمة الفنون الإسلامية، وما بلغته من نهضة فنية كبيرة خلال فترات طويلة من الزمان، مثلما تعكس على نحو واضح رحلة الإنسان مع الطبيعة، منذ أن نجح من قديم الأزل في تسخير الخشب لتلبية احتياجاته الحياتية، فاستخدمه في بناء البيوت وصناعة السفن، قبل أن تتنوع استخداماته مع التطور الذي واكب ازدهار البشرية، إلى تلك التحف الفنية التي تجسدها فنون الصناعة، والتي لا تزال آثارها باقية في العديد من البيوت الأثرية في مصر، مثلاً شاهداً على تاريخ يستعصي على النسيان.

يعد فن صناعة الأرابيسك أحد أهم فنون التراث الإسلامي، حيث يبلغ عمر تلك الصنعة ما يزيد على ألف عام، وإن ظلت الفترة من القرن التاسع عشر حتى بدايات القرن العشرين، تمثل واحدة من أبرز فترات ازدهار هذا الفن، وسبباً رئيسياً في ذيوع شهرته في العديد من بلدان العالم.

ويعود ازدهار فن «الأرابيسك» في تاريخ المنطقة العربية، إلى فترات الرخاء التي شهدتها المنطقة، وهو ما يبدو واضحاً في العديد من القصور الأثرية المنتشرة في مصر والشام، حيث لعبت فنون الارابيسك دوراً كبيراً في إضفاء لمسات من التفرد والجمال والفخامة على جدران هذه القصور، وعلى صناعة الأثاث بطرزه الإسلامية المختلفة الأشكال والاستخدامات أيضاً، قبل أن تمتد إلى تكوينات المعمار الخاص بدور العبادة، على نحو ما يمكن ملاحظته في العديد من مساجد القاهرة التاريخية، وقد بلغ تمكن فناني «الأرابيسك» في تلك الفترات، حد إنشاء جدران كاملة في بعض القصور، وتصميم تيجان الأعمدة ومنابر المساجد والمشربيات والنوافذ والأبواب، وفي بعض الأحيان كان «الأرابيسك» يستخدم في تزيين الأواني.

وتشمل فنون الأرابيسك العديد من الفنون المساندة، مثل الحفر والزخرفة والخط والرسم والتعشيق والنقش والتطعيم، وجميعها فنون تحتاج إلى كثير من الصبر والدقة العالية، وهو ما يمكن ملاحظته في العديد من الورش التي ما زالت تعمل بتلك الصناعة، في «حي الجمالية»، الذي يعد أحد أشهر أحياء القاهرة الفاطمية، والذي لا يزال يحتضن العديد من الصناعات التراثية المهمة، مثل صناعة مشغولات النحاس والذهب والفضة والأحجار الكريمة.

ويُرجع علي حمامة، أحد أشهر العاملين في المجال، صناعة هذا الفن إلى العصر الفاطمي الذي شهد ندرة في الأخشاب، نتيجة استخدام الفاطميين لها في صناعة الأدوات الحربية كالسهام والرماح والسفن من أجل حروبهم، وهو ما جعل المصريين يلجؤون إلى التحايل على تلك الأزمة، والبحث عن أي وسيلة لتغطية جدران بيوتهم وشرفاتها وأبوابها، فكانت أولى إبداعاتهم عبارة عن مربعات مثبتة بنوى البلح يتم تركيبها بترتيب معين، وكان ذلك يسمى «الصهريج» وتم استخدامه كساتر لتغطية الأبواب، ثم تطور ليتخذ أشكالاً وأحجاماً متعددة، تم توظيفها لتلبية متطلبات المصريين.

يمثل على حمامة الجيل التاسع عشر من عائلته التي امتهنت تلك الحرفة منذ قرون بعيدة، ويقول إنه بدأ منذ نعومة أظفاره بتعلم أسرار الصنعة من والده، إلى أن وصل لدرجة من المهارة جعلته أحد أهم المرجعيات في هذا المجال دون منازع.

يحفظ على حمامة تاريخ تلك الصنعة ومراحل تطورها، بداية من عصر محمد علي باشا وأولاده الذين اهتموا بتأسيس مجموعة من المدارس لتدريس فنون تلك الحرفة، كمدرسة الوالدة باشا والإلهامية باشا، ويقول: «كانت تلك المدارس تضطلع بتنفيذ أعمال الأرابيسك الخاصة بفرش القصور الملكية، إلى جانب العديد من الهدايا التي يحملها سفراء مصر إلى ملوك دول العالم»، ويضيف: «للأسف الأجيال الجديدة أصابها الكسل وأصبح الاستسهال هو السمة العامة، وبالتالي أصبح من الصعب أن تجد من يستطيع الصبر على صناعة منتج يدوي، فإلى جانب كونه سيستغرق وقتاً طويلاً ليتعلم فنيات الصنعة، فإن عليه الصبر لسنوات طويلة، حتى يجيد فنونها التي بات يخشى عليها من الاندثار».