إعداد: جيهان شعيب

كان حلماً فأضحى واقعاً مشرق الآفاق، زاهي التفاصيل، هكذا بزغ نور اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، في 2 ديسمبر عام 1971، على يد المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وأخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيّب الله ثراهما، في قصة نسجا تفاصيلها، بكامل مفرداتها.

فالإمارات التي تحتفي اليوم بمرور 52 عاماً على تأسيس اتحادها، تقف شامخة الكيان، عالية القامة والمقام، رفيعة المكانة بين ما سبقها من دول وما لحقها، بعدما قرر زايد الحكمة في ستينات القرن الماضي، أن يتخطى تأسيس الاتحاد، عتبة الحلم الذي راود فكره بتحقيق ذلك، ولم يرض بأن ينحصر الأمر في مجرد تمنّ يهفو إليه قلبه، ويتطلع إليه عقله، أو أن يقتصر على أن يكون فكرة، قد تنزوي مع الوقت، وإنما اخترق زايد بإرادته، وتصميمه، ويقينه وإيمانه التام، غمام المصاعب التي كانت تخيم على واقع تلك الأيام، وانطلق مع الشيخ راشد بن سعيد، لترجمتها إلى دولة، تصدرت في الرقي والتحضر، والقيمة والرفعة، جميع ما عداها، وأصبحت تشغل مكانة مقدرة داخلياً وخارجياً، تتحاكى بها الدول على اختلافها.

إدراك زايد الخير لأهمية توحيد الإمارات المتصالحة في دولة قوية، مستقرة، ذات سيادة، بدستور، ونظام قانوني، جاء عام 1968، بناء على ما يتمتع به من إدراك سياسي وحنكة وشجاعة، واستشراف للمستقبل، وشاركه في ذلك الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي آنذاك، وبالفعل شحذا هممهما، وواصلا سعيهما ودأبهما، وعقدا الكثير من الاجتماعات والمفاوضات، إلى أن وقّعا بالفعل اتفاقية تجمع إمارتي أبوظبي ودبي، عرفت ب«اتفاقية الاتحاد»، وتُوّجت جهودهما بقيام دولة الإمارات العربية المتحدة، وللقصة تفاصيلها الآتية:

سنوات البداية

واستهلالاً يجب العروج إلى أن الشيخ زايد، ولد في مدينة أبوظبي عام 1918، ووالده هو الشيخ سلطان بن زايد، الذي كان حاكمها، وعمل الشيخ زايد ممثلاً للحاكم في المنطقة الشرقية عام 1946 ولمدة عشرين عاماً، وانخرط بشكل مباشر في الشؤون الحكومية، وبدأ يمارس تجربته في الحكم من مدينة العين، وكان حاكم إمارة أبوظبي وقتها، شقيقه الشيخ شخبوط. ومن ثم بعد نجاح زايد في إطلاق عجلة تطوير مدينة العين في الخمسينات، تولى حكم إمارة أبوظبي في 6 أغسطس. وبعد تسلمه مقاليد الحكم أعلن إقامة حكومة رسمية، وأوكل إليها المهام اللازمة لتسيير أمور الإمارة، التي وضعها على طريق النمو المستدام، مع الاستغلال الأمثل لعوائد النفط الذي اكتشف في أواخر سنوات الخمسينات.

ومع تولّي الشيخ زايد، حكم إمارة أبوظبي عمل على إحداث نقلة نوعية في مختلف جوانبها، واجتهد في تطوير خدماتها، من شق الطرق الحديثة فوق رمال الصحراء، وإدخال المياه العذبة والكهرباء إلى كل بيت، وتطوير النظام التعليمي، وإنشاء المدارس على اختلاف مراحلها، وفتح فصول محو أمية لمن فاتهم قطار التعليم، وتقديم الرعاية الطبية للبدو في الصحراء. كما خصص جزءاً كبيراً من دخل إمارة أبوظبي من النفط، لصندوق تطوير الإمارات المتصالحة.

اجتماع «السميح»

ومرت الأيام، وفي عام 1968 أعلنت بريطانيا نيّتها الانسحاب الكامل من دول الخليج العربي، بعد ثلاث سنوات، أي مع نهاية عام 1971، فبادر الشيخ زايد، الذي كان حاكماً لإمارة أبوظبي، والشيخ راشد، الذي كان حاكماً لدبي، بعقد اجتماع في 18 فبراير عام 1968، في منطقة «السميح» الواقعة على الحدود بين أبوظبي ودبي، ووقعا اتفاقية تجمع إمارتي أبوظبي ودبي عرفت ب «اتفاقية الاتحاد»، تعدّ الخطوة الأولى نحو توحيد الساحل المتصالح، وقيام اتحاد دولة الإمارات، ليكون نواةً للوحدة العربية، وحماية الساحل بثروته النفطية المتوقعة من مطامع الدول المجاورة.

وتضمنت بنود الاتفاقية دمج الإمارتين في اتحاد واحد، والمشاركة معاً في أداء الشؤون الخارجية، والدفاع والأمن، والخدمات الاجتماعية، وتبنّي سياسة مشتركة لشؤون الهجرة، وأنيطت لسلطة الحكومة المحلية في كل إمارة المسائل الإدارية، ولتعزيز الاتحاد، دعا القائدان حكام إمارات الشارقة، وعجمان، وأم القيوين، والفجيرة، ورأس الخيمة، وكذلك البحرين وقطر، للمشاركة في مفاوضات تكوين الاتحاد.

تكوين الاتحاد

وبالفعل ومن 25-27 فبراير من عام 1968، عقد مؤتمر دستوري بحضور حكام تلك الإمارات، وما بين مفاوضات، ومناقشات، ومحاولات لقيام اتحاد دولة الإمارات، استمرت الاجتماعات لمدة 3 سنوات، وفي عام 1971، أعلنت قطر، والبحرين استقلالهما، معلنتين عن سيادة كل منهما على أراضيها.

وفي اجتماع بتاريخ 18 يوليو من العام ذاته، قرر حكام أبوظبي، ودبي، والشارقة، وعجمان، وأم القيوين، والفجيرة، تكوين اتحاد الإمارات العربية المتحدة، بالإمارات الست، وبدستور مؤقت، في حين كانت إمارة رأس الخيمة مترددة، إلى أن انضمت إلى الاتحاد في 10 فبراير 1972، بموافقة المجلس الأعلى له.

وجاء في بيان إعلان قيام اتحاد الدولة: «يزفّ المجلس الأعلى هذه البشرى السعيدة إلى شعب الإمارات العربية المتحدة، وكل الدول العربية الشقيقة، والدول الصديقة، والعالم أجمع، معلناً قيام دولة الإمارات العربية المتحدة دولةً مستقلةً ذات سيادة، وجزءاً من الوطن العربي الكبير».

زايد رئيساً

وأجمع حكام الإمارات على انتخاب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حاكم أبوظبي، ليكون أوّل رئيس للدولة، مع اتخاذ أبوظبي عاصمة لها، كما جرى انتخاب المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، نائباً للرئيس، ورفع الشيخ زايد علم الدولة في 2 ديسمبر 1971، مُعلناً إياها دولة مستقلة ذات سيادة. ومرت السنوات، وعقب اجتماع عقد في 20 مايو 1996، وافق المجلس الأعلى للاتحاد، على تعديل نص الدستور المؤقت، لجعله دائماً للدولة، وأصبحت أبوظبي رسمياً عاصمة لها.

وأكد الشيخ زايد ضرورة توفير الفرص لجميع مواطني الدولة، ليكون لهم دور فاعل في نجاحها. وبفضل رؤيته الثاقبة، أضحت الإمارات تحتل المركز الثاني بعد المملكة العربية السعودية، وبين دول مجلس التعاون الخليجي، من حيث حجم الاقتصاد، والمركز الثالث في منطقة الشرق الأوسط كلها. كما أصبحت تمثل بحسب كثير من التقارير الدولية، أهم مركز مالي واقتصادي في المنطقة.

توحيد القوات المسلحة

بعد قيام الاتحاد، وفي السادس من مايو عام 1976، كان من الأهمية بمكان توحيد القوات المسلحة، تحت علم واحد، وقيادة واحدة، وبالفعل قرر الشيخ زايد ذلك، بموجب المادة 138 من الدستور، التي نصت على أن تكون للاتحاد قوات مسلحة برية وبحرية وجوية موحدة، ويكون تعيين القائد العام لهذه القوات، ورئيس الأركان العامة، وإعفاؤهما من منصبيهما بمرسوم اتحادي. ووفقاً للمادة أيضاً، يجوز أن يكون للاتحاد قوات أمن اتحادية، ومجلس وزراء الاتحاد هو المسؤول مباشرة أمام رئيس الاتحاد، والمجلس الأعلى للاتحاد عن شؤون هذه القوات جميعاً، عدا ذلك وعلى مدار السنوات، منذ تأسيس الاتحاد، حققت الإمارات نهضة تنموية وحضارية وإنجازات بلا حصر.

من جانب ثان عمل الشيخ زايد، على تحويل فكرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى واقع ملموس، من الاجتماع الأول الذي عقد في أبوظبي عام 1976 مع المغفور له الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح أمير الكويت الراحل، ومن ثم التوقيع على صيغة تأسيس مجلس التعاون في أول قمة ترأسها في أبوظبي، في 25 و26 مايو 1981، لتحقيق التكامل والترابط في جميع الميادين بين دول الخليج الست.

أهداف الاتحاد

تتضمن أهداف قيام الاتحاد التي نص عليها الدستور توفير حياة أفضل، واستقرار أمكن، ومكانة دولية أرفع للدولة، ولشعب الإمارات، وإنشاء روابط أوثق بين هذه الإمارات، لتكون قادرة على الحفاظ على كيان دولة الاتحاد، وكيان أعضائها، والتعاون مع الدول العربية الشقيقة ومع الدول الأخرى كافة، وتبادل المصالح والمنافع بين الإمارات والدول الأخرى، والنهوض بالدولة الوليدة وشعبها إلى المنزلة التي تؤهلهما للوصول إلى المكان اللائق بهما بين الدول المتحضرة وأممها.

كما تتضمن الأهداف الحفاظ على استقلال الاتحاد وسيادته وأمنه واستقراره، ودفع كل عدوان على كيانه، أو كيان الإمارات والأعضاء فيه، وحماية حقوق وحريات شعب الاتحاد، وتحقيق التعاون الوثيق بين إماراته لمصالحها المشتركة، ومن أجل ازدهارها وتقدمها في جميع المجالات، وتوفير الحياة الأفضل لجميع المواطنين مع احترام استقلال الإمارات الأخرى وسيادتها في شؤونها الداخلية في نطاق الدستور.

أقوال خالدة

تعددت كلمات الشيخ زايد عن قيمة الاتحاد وأهميته، حيث فور تسلّمه سدّة الحكم في السادس من أغسطس عام 1966 بإمارة أبوظبي قال: «نستطيع بالتعاون وبنوع من الاتحاد، اتّباع نموذج الدول الأخرى النامية».

وقال: «إن إيمان أبوظبي بقيام الاتحاد، إنما هو إيمانها بوجود الأمان والاطمئنان لكل الخليج ولكل أبناء الخليج، وعلاوة على هذا، فإن الاتحاد قوة لكل الدول العربية، ومن هذه الاعتبارات، فإن أبوظبي مع رغبة أهل المنطقة، وأبناء الخليج بكل ما يعود بصالح الجميع».

علم الإمارات

تتكون ألوان علم دولة الإمارات العربية المتحدة الذي صممه المواطن عبدالله محمد المعينة، الذي شغل بعدها منصب وزير، من الألوان الأحمر، والأخضر، والأبيض، والأسود، واستوحيت من بيتي الشعر الشهيرين للشاعر صفي الدين الحلي:

(بيضٌ صنائعُنا، سودٌ وقائعُنا

خُضْرٌ مرابعُنا، حُمْرٌ مَواضينا)

فيما كانت فازت ستة عروض في مسابقة لتصميم علم الدولة الجديدة، شارك فيها المئات من الفنانين والرسامين، واختير من بينها تصميم أحد أبناء الإمارات.