تجدد الحديث كثيراً هذا العام الذي يكاد يلفظ آخر أنفاسه، عن ضرورة إصلاح الأمم المتحدة المنظمة الدولية في قلب النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. والحديث عن إصلاح المنظمة الدولية ومجلس الأمن الدولي، الذي يمثل مجلس إدارة الحرب والسلم في العالم، يتجدد ويتكرر كلما وجد المجتمع الدولي نفسه في مأزق بين قوة الحق وحق القوة، أو حق النقض (الفيتو)، حيث يمكن أن يقف أي عضو من الأعضاء الدائمين المالكين لحق الاعتراض لإبطال أي قرار دولي حتى لو كان بإجماع 14 عضواً في مجلس الأمن.

مواكبة العصر

بعد انتهاء الحرب الباردة نظرياً في مطلع التسعينات، رأى مفكرون أن النظام الدولي لا بد أن يواكب التغيرات المفصلية في تاريخ البشرية، لكن الولايات المتحدة المنتشية بنصر لم توجف عليه خيلاً أو ركاباً، رأت أنها تصدرت إلى سدة السلطة السياسية والعسكرية والأخلاقية في العالم، بل بشّرت بالعولمة التي تلغي الحدود والسيادة، ورفعت أقانيم الليبرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وبشرت بالولايات المتحدة سيدة للكون، وبالبيت الأبيض في واشنطن محجاً، وخلال العشرية الأخيرة من القرن العشرين، وفي ظل وهم نهاية التاريخ السخيف، استغلت واشنطن الأمم المتحدة ومجلس الأمن خصوصاً مطية لإسباغ الشرعية السياسية على كل قرار ظاهره خير البشرية، والهدف منه تكريس الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية والمصالح الأمريكية، حتى استفاق العالم على مأساتي أفغانستان والعراق، واللتين تتحمل الولايات المتحدة مسؤوليتهما والوزر عنهما بالكامل.

أثبتت الولايات المتحدة مراراً وتكراراً أنها غير معنية بالأمم المتحدة أو مجلس الأمن إذا فشلت في تأمين غطاء دولي لقرار تريد من المجتمع الدولي أن يتبناه، وعادة تلجأ إلى ما تسميه تكوين تحالف دولي للراغبين، وهو عادة متوفر للولايات المتحدة شكلياً من حلفائها وأتباعها والدائرين في فلكها، ولا يتجاوز عددهم ستين دولة.

فشل

حاول الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، كوفي عنان، باعتباره ابن المنظمة الدولية التي تدرّج بين سلكها ومهامها طوال حياته المهنية، إصلاح المنظمة الدولية.لكن الإصلاح الهيكلي للمنظمة سياسياً فشل فشلاً ذريعاً، رغم ترحيب دول كبرى في البدء بمقولة الإصلاح، لكنها رفضتها إذا تحولت إلى مستوجبات.

درست لجنة الحكماء الدولية التي شكلها عنان من قادة دول ومنظمات أممية سابقين، المطلوب لتكون الأمم المتحدة أكثر فعالية وقوة ونجاعة في قيادة العمل الدولي، ووضع الحلول لمشكلات العالم في مجالات الأمن والسلم والاقتصاد والبيئة.. إلخ.

 

الأمل

لم يوفر عنان فرصة أو منصة أو اجتماعاً إلا وجدد رؤيته وحلمه في إصلاح المنظمة الدولية. وحتى بعد أن غادر المنصب الرفيع، واصل عنان دعوته إلى الدول الغنية والفقيرة على السواء للتفاهم حول مشروع إصلاح الأمم المتحدة للحؤول دون شل المنظمة الدولية. وحذر عنان من خطر إيصال الأمم المتحدة إلى التوقف الجزئي أو التام. وشدد على أن من مصلحة جميع الدول الأعضاء أن تبقى الأمم المتحدة في حالة تحركها وتكيفها مع العمل المحدد الذي ينتظرونه.

الحلم

رؤية عنان بإصلاح المنظمة الدولية ما زالت تحلق في أفق الحلم، ولا يبدو أن أيّ طرف فاعل في المشهد الدولي يريد أن يتجرد من مصالحه الضيقة الأنانية من أجل الإنسانية جمعاء. وكل ما يتردد من هذه الدولة الكبرى أو تلك، أو هذه المجموعة الدولية أو تلك، إنما هو من قبيل «طق الحنك»، ولا تريد الولايات المتحدة أو بريطانيا أو فرنسا الاقتراب من منطقة إعادة تقسيم الكعكة.

ولا يبدو المنطق الذي يكمن وراء الرغبة في إصلاح الأمم المتحدة يلقى آذاناً مصغية في رؤوس الكبار. وحتى إن قبلت الولايات المتحدة وحليفاها البريطاني والفرنسي بمصطلح الإصلاح، فهم يريدون توصيفه وتصميمه، بحيث يضمن زيادة نفوذهما لا تقليصه في وجه روسيا والصين والدول الناشئة الجديدة.

يعتقد دعاة الإصلاح أن المشهد الدولي تغير تماماً بعد انتهاء الحرب الباردة، ما يعني بالضرورة أن النظام الدولي الذي كان سائداً باعتباره استجابة للخوف المتبادل بين القوى الكبرى، وبالتالي ضرورة الانتقال إلى مرحلة جديدة تتناسب مع الواقع الجديد، والانتقال إلى مرحلة التنمية والتعاون الاقتصادي ونقل التكنولوجيا والاهتمام أكثر بالبيئة وسلامة كوكب الأرض والحفاظ على التنوع البيولوجي وترقية التعليم... إلخ. ويطالب دعاة الإصلاح بأن تسود الديمقراطية مؤسسات المجتمع الدولي والتخلي عن عقلية الوصاية التي يمارسها الكبار على القرار الدولي.

نظام جديد يتشكل

من دعاة الإصلاح روسيا. فقد كرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عديد المرات هذا العام، أن روسيا ترى أن هناك نظاماً عالمياً جديداً قيد التشكل ويتم ترسيم حدوده، يعترف بالتعددية القطبية ويؤمن بالحق والعدالة والتمسك بالمواثيق الدولية والديمقراطية وحرية التجارة، ونبذ الهيمنة الأحادية. وفرض القواعد المصلحية في النظر والتعامل مع المشكلات في العالم.

توسيع محدود

من الجهة الأخرى، أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن، في كلمة ألقاها خلال افتتاح الدورة الـ78 للجمعية العامة للأمم المتحدة في 19 سبتمبر، دعمه لتوسيع مجلس الأمن وزيادة عدد الأعضاء الدائمين فيه. وقال بايدن، إن إدارته قامت بسلسلة من المشاورات من أجل توسيع مجلس الأمن وزيادة عدد أعضائه الدائمين، مضيفاً أنها ستستمر في ذلك.

خلل يؤثر في المصداقية

ومعبراً عن الكتلة العربية التي يصل عديدها إلى 360 مليون نسمة، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل خمس سنوات، إن «هناك خللاً في أداء أجهزة الأمم المتحدة يؤثر في مصداقيتها».

إصلاح وإعادة هيكلة

ومتحدثاً وممثلاً لـ57 دولة إسلامية يتجاوز عدد سكانها المليار ونصف المليار نسمة، دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إصلاح الأمم المتحدة وإعادة هيكلة مجلس الأمن لتتماشى مع المتغيرات العالمية. وأوضح أن مجلس الأمن بات يخدم مصالح الأعضاء الخمسة الدائمين الذين يملكون حق النقض، فيما يبقى مشاهداً للمظالم داعياً إلى جعل الأمم المتحدة الناطقة الرسمية باسم طموحات العدالة والإنسانية وتطبيقها على أرض الواقع.

إضافة خمسة أو ستة أعضاء جدد دائمين

كشفت تقارير إعلامية أمريكية عن مقترح بايدن بتوسيع قائمة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، بهدف التصدي لنفوذ روسيا والصين فيه. وأوضح المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي جون كيربي، أن الولايات المتحدة تريد إعادة النظر في التركيبة الحالية للمجلس، وتدفع باتجاه إضافة 5 أو 6 دول لنيل العضوية الدائمة في المجلس، تشمل: اليابان وألمانيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، لكن ليس معروفاً إن كان الأعضاء «الدائمون المقترَحون» سيمتلكون حق النقض (الفيتو) أو لا. وأقرت مجموعة العشرين في اجتماعها الأخير بالهند منح إفريقيا مقعداً دائماً في المنظمة الدولية.

القبعات الزرقاء.. تكريس الوضع الراهن

 

أنهى مجلس الأمن الدولي مهمة البعثة السياسية للأمم المتحدة في السودان بعد طرد الخرطوم رئيس البعثة السياسية، كما أنهى المجلس مهمة لحفظ السلام في مالي بناء على طلبها، فلماذا ترغب حكومات إفريقية في خروج قوات حفظ السلام الدولية، رغم أن الدور الأساسي لهذه البعثات والقوات هو تعزيز الأمن في بلدان النزاعات والتنبؤ مسبقاً بالمخاطر الأمنية؟.

لم تعد قوات حفظ السلام قادرة على ضمان الأمن أو تعزيز استقرار الأوضاع المضطربة أو حتى حماية المدنيين. وفي التاريخ القريب فشلت القوات الأممية في حماية المدنيين العزل في سربرينتشا البوسنية حيث قتل 200 ألف شخص تحت بصر ووجود القبعات الزرق، كما فشلت بعثة الأمم المتحدة التي كانت تحت رئاسة كوفي عنان(الذي اصبح فيما بعد أميناً عاماً للمنظمة الدولية) في منع مجازر قتل فيها أكثر من مليوني إنسان على خلفية تظهير عرقي في رواندا وبوروندي.

أصبح وجود القبعات الزرق مستديماً في بعض الدول التي تبدو ظاهراً تعيش نزاعات داخلية مثل الكونغو الديمقراطية، ولكن هذه النزاعات الداخلية هي في الأصل تغذيها دول غربية وشركات عابرة للقارات، تجد أن من مصلحتها استمرار النزاعات ليسهل عملها في نهب وسرقة ثروات الشعوب.

بمعنى آخر تحافظ آليات عمليات وبعثات السلام في الحفاظ على الوضع الراهن وتكريس الأمر الواقع.

تعتبر مالي من الأمثلة الجلية لذلك، إذ لم يتم معالجة الوضع الأمني المتردي الذي يتفاقم يوماً بعد يوم، فيما تبدو قوات حفظ السلام عاجزة عن مواجهة ذلك تقريباً.

وقال وزير خارجية مالي عبد الله ديوب (في 30 يونيو/ حزيران 2023) في دعوة الأمم المتحدة رسميا لسحب بعثتها لحفظ السلام، إن البعثة المعروفة باسم (مينوسما) أصبحت جزءاً من مشكلة تأجيج التوترات بين الأطراف.

الى جانب ذلك، تزايدت حالة عدم الثقة في عمل بعثات حفظ السلام، بعد بيانات رسمية من المنظمة الدولية بشان اتهامات بالاغتصاب وسلوك غير مهني وغير منضبط ما ألقى بظلاله على سمعة بعثة حفظ السلام. وانعدام الثقة يمثل مشكلة فيما يشعر البعض أن بعثات حفظ السلام ليست سوى حيلة من القوى الغربية لإعادة تأكيد سلطتها وسيطرتها على البلدان التي تعمل فيها قوات السلام الأممية.

الانتقال من حفظ السلام إلى بنائه

 

يحدد مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة وفقاً للفصلين السادس والسابع لميثاق المنظمة الدولية الولايات القانونية لقوات حفظ السلام التي تنتشر في مناطق وأقاليم الصراعات والنزاعات، من أجل المساعدة على تخطي الطريق الصعب من الصراع إلى السلام.

لدى الأمم المتحدة حالياً 14 عملية حفظ سلام، منها 8 في إفريقيا، وواحدة في آسيا، و2 في أوروبا، و3 في الشرق الأوسط. كما تدير 34 بعثة سياسية وحضوراً آخر تحت مسميات وأهداف مختلفة، و11 بعثة من هذا النوع في إفريقيا، و3 في آسيا، و2 في أوروبا، و2 في آسيا، و6 في الشرق الأوسط. ومن تخصصات هذه البعثات المساعدة في المصالحة وإعادة الدمج وإجراء الانتخابات.. إلخ، إلى جانب مراقبة الفصل بين القوات وعمليات التحقق.

بشكل عام تشتمل عمليات السلام على نشاط سياسي وعسكري، يسمح بالحضور الميداني في الميدان بموافقة الطرفين (وفقاً للفصل السادس) للسيطرة على الصراعات عبر وقف إطلاق النار، والفصل بين القوات، وحلها بشكل جزئي أو عبر تسويات شاملة، وضمان وحماية إيصال المساعدات الإنسانية.

المسؤولون عن عملية حفظ السلام يرصدون ويراقبون عمليات السلام في مناطق ما بعد الصراع على الصعيد الدولي، وقد يساعدون المقاتلين السابقين على تنفيذ التزامات اتفاق السلام، وقد تأتي هذه المساعدة بأشكال عديدة، بما في ذلك تدابير بناء الثقة، وترتيبات تقاسم السلطة، والدعم الانتخابي، وتعزيز سيادة القانون، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وبناء على ذلك، يمكن أن تشمل قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة الجنود وضباط الشرطة والموظفين المدنيين.

يشمل حفظ السلام أربعة أنواع مختلفة من العمليات، منها ثلاثة تحت «الفصل السادس»، بينما يدعى النوع الرابع مهام «الفصل السابع». والثلاثة الأولى تتطلب موافقة الأطراف المتحاربة، ولا تتطلب بعثات الفصل السابع الموافقة، ولا تضطر إلى الانسحاب إذا فقدت الموافقة في أي وقت كان.

وضع الأمين العام للمنظمة الدولية آنذاك بطرس غالي تقريراً لعام 1992، وشرح بالتفصيل مفاهيمه الطموحة للأمم المتحدة وحفظ السلام عموماً،واقترح مجموعة إجراءات متعددة الأوجه ومترابطة، هدفت إلى استثمار فعال لدور الأمم المتحدة في السياسة الدولية. شمل ذلك استخدام الدبلوماسية الوقائية، وفرض السلام، وصنع السلام، وحفظ السلام، وإعادة الإعمار بعد الصراع.