د. حسن مدن
الفرنسي فولتير (1694 – 1778) قال إنه قرأ كتاب «ألف ليلة وليلة» أربع عشرة مرة، وتمنى أن يصاب بفقدان الذاكرة حتى يعيد قراءته ويستمتع به مرة أخرى، أما الكولومبي حامل «نوبل» للآداب غابرييل غارثيا ماركيز فقال إنه لولا عثوره مصادفة في مكتبة جده على كتاب أوراقه صفراء تكاد تتمزق من فرط قدمها، لما كان له أن يصبح أديباً. الكتاب ذو الأوراق الصفراء كان «ألف ليلة وليلة» عينه. الإيطالي أمبرتو إيكو يرى أن الروايات الكبرى في الثقافة الغربية مثل «دون كيشوت» لسرفانتس، «الحرب والسلام» لتولستوي إنما كتبت بتأثير «ألف ليلة وليلة».
شهد من أهلها شهود، لا شاهد واحد فقط، عن أهمية هذا الأثر الأدبي العربي في تاريخ الأدب العالمي حتى اليوم. رغم أن هناك من زعم أن أصل الكتاب لم يكن عربياً، بعضهم ادعى أنه هندي الأصل، وبعضهم ادعى أن أصله فارسي. الرد على ذلك الزعم لم يأت من العرب، إنما من المستشرق الفرنسي سلفستر دي ساسي الذي رفض بشكل قاطع فرضية الأصل الهندي أو الفارسي لنص الليالي، مشككاً في صحة الفقرة التي أوردها المسعودي في «مروج الذهب» حول أصل الكتاب، مؤكداً أنه، أي الكتاب، مشبع بالأجواء العربية والإسلامية.
هذا بعض ما أورده الكاتب عزمي عبدالوهاب في كتابه «معارك الكتب في الشرق والغرب»، وهو كتاب ماتع في دنيا الكتب والقراءة، صادر عن «دار غاف» الإماراتية، وضمّ عدداً كبيراً من المقالات، إحداها عن «ألف ليلة وليلة»، وفي عنوانه يتساءل الكاتب: هل يكره العرب «ألف ليلة وليلة؟»، واقفاً عند المفارقة المتمثلة في أن هذا السفر الأدبي العظيم الذي نال من الآخر الغربي وغير الغربي الاهتمام، لم ينل ما يستحقه عند أهل اللغة التي بها وضع ومنها ترجم إلى اللغات الأخرى.
لم يكن المسعودي وحده من أنكر الأصل العربي لـ«ألف ليلة وليلة»، واصفاً الكتاب بأنه «سمر من النوع الرخيص». مثله فعل ابن النديم حين قال في كتابه «الفهرست» إنه رأى الكتاب بتمامه باللغة العربية في عدة مجلدات فوجده «غثاً بارد الحديث». واللافت أن ما وجه من نقد عربي، قديم وحديث، لم يقف عند القيمة الأدبية للكتاب التي هي سبب خلوده وقوة تأثيره في الأدب العالمي، وإنما انشغل بتفاصيل فيه هنا أو هناك وجدها غير لائقة، وربما يعود ذلك إلى الخشية من تكوين صورة نمطية للشرق العربي في ذهن الآخر. الرد البليغ على ذلك أتى على لسان الأرجنتيني بورخيس حين قال: «إن الرومانسية بدأت في اللحظة التي قرأ فيها شخص ما في باريس أو النرويج كتاب (ألف ليلة وليلة)».
[email protected]