تتردّد عبارة بين الناس أن الزمن يعيد نفسه، وفي الحقيقة تكاد تكون هذه العبارة من الكلام التقليدي الاستهلاكي، أو الثقافة الشعبية المتوارثة فكرياَ أو تفكيرياً ورسخت في العقل الجمعي من دون محاورة أو مناقشة، شأنها شأن العديد من العبارات والأمثال التي تسير على ألسنة الناس، بينما في الواقع أن الزمن لا يمكن أن يعيد نفسه، لا كحركة كونية، ولا اجتماعية، ولا سياسية، ولا حتى عاطفية، فكل شيء منذ وُجد الكون في تغيّر، أشياء تتجدّد من تلقاء ذاتها، وأشياء تُستهلك وتذروها السنون والرياح، فما بالنا بالإنسان المكوّن من مجموعة من الأفكار والهواجس والغرائز والحواس والأحلام والطموحات، بينما جسمه البيولوجي لا يزال يحيّر العلماء والأطباء، بتكوينه وتعقيده وتنظيمه وخلاياه ومساماته ونبضه ودورته الدموية، وهذه الأخيرة يشبّهها بعض العلماء بالدورة الكونية وحركة الكواكب والثقوب السوداء.
وكما توجد دورة دموية، هناك دورة فكرية وعاطفية وتأملية تتغيّر مع كل يوم جديد، مع كل يقظة من نوم أو غفوة، ولهذا وباختصار، فإن الأول من يناير/ كانون الثاني من عام 2024 لن يشبه الأول من يناير/ كانون الثاني من عام 2025، وأي حدث يتكرّر فلن يكون ذاته، هو حدث جديد بامتياز وإن تشابهت الأشكال والأسباب والنتائج.
وكذلك الدول، تخضع للمنطق الزمني ذاته، حيث الحركة دليل على الحياة، والتغيير يؤكد أن ثمة أناساً يعملون، والتطوير يشير إلى عقلية متجدّدة تعمل على السير إلى الأمام بخطة مختلفة عن سابقاتها، وأجمل من قريناتها، وإلا لما كان التطوير سيحدث، والمشهد سيكون أجمل.
وهذا يعود إلى التجديد في القيادة ذاتها، التي تدير حركة العمل والإنجازات، وتشرف على الخطط وتنفيذ البرامج وتتابعها بدقة، ولا تركن إلى التطوير اللحظي، وإنما تفكّر دائماً في التطوير المستدام، وهو نمط تفكير استراتيجي لا يتوفّر إلا عند القيادات المخلصة، القيادات التاريخية التي تترك بصماتها على وجه الحياة، ليبدو أكثر إشراقاً.
وعلى الصعيد السياسي، لن يحدث في عام 2025 ما حدث في سابقه، وإن كان المكان هو نفسه ساحة الحدث والمعركة، حتى الاستراتيجيات ستتغير وفق سير الزمن وحركته، والمفاوضات لن تكون ذاتها وكذلك الأهداف والخطط، فأنا أؤمن بأن حركة الكون تلقي بظلالها على حركة الإنسان، وهذا ليس من باب التنجيم ولا التنبؤات، ولكن من باب الإيمان بالحركة الدؤوبة التي لن تعود إلى الوراء مهما تشابهت الظروف، ومن يسعى إلى إعادة التاريخ والتحالفات وفق مشيئته سيفشل فشلاً ذريعاً، نظراً لاختلاف الظروف والبيئات والبشر وطرائق التفكير وإحياء الضمير أو إماتته.
ومن يسعى إلى تكرار الإمبراطوريات التي كانت سائدة قبل مئات السنين لن تتكلل مساعيه بالنجاح، فكل شيء مختلف، حتى أدوات الصراع وأنماط الأسلحة، إذ بات من الممكن تشكيل إمبراطوريات جديدة بقوالب حديثة، تحقق النتائج ذاتها من دون ظهور ما يسمى الاستعمار والسيطرة على خيرات الشعوب، بل إن الخيرات ذاتها تغيرت بفضل التكنولوجيا، حتى بات لدينا ما يُسمّى بالعملة الإلكترونية، التي لو تم طرحها قبل قرن من الزمان لاستقبلها الناس بشيء من الاستهجان والدهشة وربما الاستنكار لأنه سيكون من قبيل الخيال، شأنه شأن غزو الفضاء والتحكّم بالأمطار والرياح والغيوم وربما الزلازل والبراكين، هناك منظومة كاملة جديدة، والزمن المقبل إما يشهد فتوحات علمية جديدة، باستخدام الروبوتات، على سبيل المثال، وتكنولوجيا النانو، والسيارات الطائرة، وإما يحدث ما يعيق تقدمه وتطوره، أي يحدث ما هو غير متوقّع، ربما لحركة ما في الكون، الذي يصحح مساره بين فترة وأخرى لخلق التوازن بين المادة والروح.
وهناك من يتوقّع لهذه الطفرة التكنولوجية الهائلة الفشل الذريع في إدارة شؤون الإنسان، الذي سيرفض التحوّل إلى آلة وسيحافظ عل روحه، لاعتقاد البعض أن الحضارة التكنولوجية زائلة ولن تقف في وجه الطبيعة، وخير مثال على ذلك ما تتعرض له خطوط الإنترنت من انقطاع نظراً لغضب في المحيطات، التي قد تنقلب رأساً على عقب. ولا أبشر هنا بطوفان ولا يحزنون، إنما الزمن، وهو حركة الكون، لها روحانيتها وربما عقلها، وهناك من يستخدم مصطلح (عقل الكون)، أو عقل العالم، والبعض لا يولي هذا المنطق اهتماماً لإيمانه بالعالم المادي.
هناك أكثر من منهج للتعامل مع الزمن.. المنهج التلقائي الفطري، المنهج الاحتياطي المعتقد بإدارة الأزمات، المنهج الإنساني، المنهج الاستشرافي، وهناك المنهج الروحاني، وتكاد تكون هذه المناهج فردية لا تؤمن بها الدول، باستثناء المنهج الاستباقي، أي إدارة الأزمات، وهو نوع يؤمن بوضع سيناريوهات كثيرة تبعث الاطمئنان في النفوس، إن كان لدى الدول أو الأفراد، ولا شك أن احتمال حدوث أمر خارج السيناريوهات وارد جداً.
وتبقى فكرة أن الزمن يكرر نفسه هي الفكرة التي يجب ألا نركن إليها كبشر وكدول، لأنها تصيبنا بأخطاء في الحسابات، وبالضرورة أخطاء في النتائج، ومن الأهمية بمكان التعامل مع المستقبل كحاضر مأمول، مع دراسة التجارب السابقة واستقاء عبرها ودروسها، وما الزمن سوى الماضي والحاضر والمستقبل، ومن يأسر ذاته في مفردة واحدة سيواجه تحديات كثيرة.

[email protected]